إن كان حاكم مصرف سوريا المركزي قدّر قيمة حوالات المغتربين بنحو 4 مليارات دولار عام 2025، وهو رقم يفوق موازنة الدولة المُعتمدة للعام 2024. فإن التعويل عليها في أوساط الأسر السورية، يبدو أكبر بكثير من مجرد رقم ثابت. ففي السنوات الأخيرة مثلت هذه التحويلات عماد الدخل الوطني؛ ويمكن وصفها بأنها “الشريان الصامت” الذي نقل الحياة إلى البيوت دون ضجيج. وبهذا المعنى، فإن الأزمة في تراجع قيمة هذه التحويلات تعني فيما تعنيه أن شريان الحياة يتعطّل!
شريان الحياة السوري
ويلفت موقع “العين السورية” في مقال للكاتب أحمد علي، إلى أن الاعتماد على الحوالات الخارجية بات معادلة ثابتة في الاقتصاد السوري.
وبحسب بيانات رسمية، تلقّت 38% من الأسر هذه الأموال في 2022، بمعدل 57 دولاراً شهرياً للأسر المُستفيدة. ويُظهر تقرير للبنك الدولي أن الإجمالي وصل نحو 8 مليارات دولار في 2023 مع دخول حوالي 4 مليارات من ذلك في 2025 فقط. هذه المدخلات، وإن لم تُستثمر في الإنتاج، فقد خففت عن كثير من العائلات أعباء الأزمات، لا سيما تغطية نفقات الغذاء والدواء والإيجار. ولذا يحذر الاقتصاديون اليوم من أن أي انخفاض في هذه المبالغ سيترتب عليه تراجع في مستوى معيشة الأسر السورية وزيادة حدة الفقر.
تعويض فجوة الإنفاق
في الواقع، تعوّض الحوالات ضعف القطاعات الإنتاجية المحلية. إذ تشيرالمعطيات الميدانية إلى أن 75% من الحوالات تذهب مباشرة للأغذية والدواء والسكن، وأنها “لا تصنع نمواً” بل تضمن “منع الانهيار” فقط. ولم يكن من العجيب أن وصول 4 مليارات دولار في 2025 لم يترجم إلى تحسن ملموس في القدرة الشرائية، إذ ظل أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر. ومع ذلك، يبقى العجز في الحسابات الموازية وفرار كثير من المتعاملين إلى القنوات غير الرسمية، ما جعل إحصاء هذه التحويلات رهناً بتقديرات متباينة. بيد أن ثمة إجماع للمحللين على أن هذه الأموال تشكل “مصدراً رئيسياً” للدخل اليومي للأسرة السورية، ويعتمد عليها الآلاف في تغطية نفقاتهم الأساسية.
صدى أزمة العالم
تزيد التغيرات الإقليمية الراهنة من خطورة الموقف. فالأزمة الاقتصادية في دول الخليج تقلّص فرص العمل للعمالة السورية هناك. في الوقت نفسه، تضاعفت الأسعار في أوروبا نتيجة الأزمة العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة، مما يضع ضغوطاً إضافية على السوريين المغتربين في دول الاتحاد الأوروبي. وكلا الأمرين يترتب عليهما انخفاض في حجم التحويلات. بمعنى آخر، مصادر النقد الصعب للمواطن السوري الخارجي تضعف بفعل ضعف طلب العمالة في الخليج، وتآكل الدخل المتاح في دول الاغتراب الأوروبي.
تعثّر إمدادات
لا تتوقف المخاطر عند حدّ انخفاض المقدار المرسل فحسب، بل تمتد إلى آلياته. كثير من السوريين يعتمدون حالياً على طرق غير رسمية (كالحوالات غير النظامية أو ما يُسمى «الهوايات») لتجاوز فروق سعر الصرف الكبيرة. وإذا ضاقت المحيطات المألوفة أمامهم (كالحوالات من الخليج عبر المصارف)، فقد يلتجئون أكثر إلى «السوق السوداء»، ما يزيد من كلفة التحويل. وتقدّم طالبة سورية تدرس في دمشق مثالاً حقيقياً وملموساً على ما نتحدث عنه. ففي حديث خاص للطالبة ميس عيسى مع «العين السوريّة» تذكر أن أخيها في بغداد قلّص تحويلاته من 200 دولار إلى 100 دولار شهرياً منذ بداية العام الحالي، فأصبحت الأسرة عاجزة عن تغطية ضرورياتها، خصوصاً مع “الغلاء المرعب” الذي يشهده السوق على حد توصيفها.
انعكاسات على الأسر
لهذا يصبح السؤال: إذا استمر تراجع الحوالات المالية، ماذ سيحدث؟ بالتأكيد سيكون الأثر المباشر على الأسر المعتمدة عليها.. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن متوسط ما تتلقاه الأسرة من الخارج بلغ 57 دولاراً شهرياً كما ذكرنا سابقاً، كان يمثل نحو ثلث دخلها قبل المستجدات الأخيرة. انخفاض هذا المبلغ بحجم معقول سيشكل نقصاً فادحاً في ميزانيات الغالبية الساحقة. وقد لخص خبير الاقتصاد خالد سليمان الأمر بقوله: “أي انقطاع أو تراجع في التحويلات المالية إلى سوريا سيؤدي إلى انهيار قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها”. بمعنى آخر، يُخشى أن تتسع فجوة الدخل إلى الحد الذي يدفع الأسر إلى بيع ممتلكاتها أو الاقتراض بشروط قاسية لتأمين غذائها وتعليم أولادها.
والاقتصاد أيضاً
أما على مستوى الاقتصاد المحلي، فالأثر سيكون متعدّد الجوانب. فالحوالات، رغم أنها لا تبني صناعة أو أي حالة إنتاجية حقيقية، كانت تخلق استهلاكاً يشغل جزءاً من السوق. غيابها يعني تباطؤ الإنفاق، وهو ما يضغط حتماً على الإنتاج المحلي المتواضع أصلاً. لا تخفى هنا مقولة الباحث محمود العرق: “مركزية التحويلات أو تراجعها سيكون له آثار سلبية مباشرة على الاقتصاد، نتيجة غياب البدائل الإنتاجية”. وكذلك فإن تراجع التحويلات سيزعزع الاقتصاد المحلي بسبب عدم وجود دورة اقتصادية مستدامة قائمة على الإنتاج الداخلي. يعني هذا التراجع الماثل دون مخرج واضح، واستمرار أو تفاقم الانكماش الاقتصادي، تفشي الفقر بصورة أكبر وأكثر وحشية. وينبغي ألا ننسى أن جزءاً من استقرار سعر الصرف كان قائماً على هذه التدفقات أيضاً، فضعفها يمكن أن يُضعف الاستقرار النقدي ويزيد الضغط على الليرة السورية.
كيف يستعد السوريون؟
في ظل هذه الصورة القاتمة، تبقى الخيارات محدودة. ويشدد خبراء على ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتخفيف الصدمة. من هذه الخطوات زيادة تسهيل الحوالات الرسمية وخفض تكلفتها، وحماية المرسلين بغض النظر عن وضعهم القانوني أو احتسابهم في مظلة الضمان الاجتماعي. وقد اقترح خبراء مثل سامر مصطفى تحسين النظام المصرفي وتوسيع التعاون الدولي لتيسير التحويلات، مع تقليص دور الوسطاء غير الرسميين.
من الاستهلاكي إلى التنموي
كما يُحذّر من أن تحويل الحوالات إلى استهلاك عادي دون تحفيز الإنتاج يعزز التبعية للخارج، ومن ثم يُنصح بتشجيع الاستثمار المحلي المدعوم بهذه الأموال، بدل إنفاقها على الاستيراد فقط. على الجانب الشعبي، لا شك أن شبكات الدعم المجتمعية والمنظمات قد تُصغّر الفجوة بتأمين السلع الأساسية للفقير وتخفيض حاجته للأموال الخارجية، كما أن العودة المتوقعة لأكثر من مليون لاجئ بحاجة إلى خطط توفير فرص عمل تؤمن جزءاً من متطلباتهم بعيداً من المعونات المستمرة. خلاصة القول، إن الحوالات الخارجية تمثل اليوم ورقة اقتصاد نقدية حيوية لسوريا، وأي صدمة كبيرة فيها ستنعكس فوراً على عيش العائلات. وحتى الآن لا توجد حلول سريعة لمضاعفة إنتاج محلي قوي أو لقلب المعادلة بشكل جذري. وما يمكن فعله هو الاستعداد مُبكراً بتدابير تكفل الحد الأدنى من الدعم للمجتمع وتحسين آليات الحوالات، حفاظاً على ما تبقى من “شريان الحياة” السوري المؤقت ريثما تعود الحياة إلى البلاد من جديد وتنفض عنها غبار المأساة والألم.