بنوك خاصّة سورية تخترق المنطقة الحمراء.. ارتباك بعد ارتكاب و” مهلة الحاكم” انتهت دون تعليق رسمي

الخبير السوري – ناظم عيد

ذكّر حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية البنوك الخاصة مراراً، بمهلة امتصاص الخسائر المرتبطة بالقطاع المصرفي اللبناني والبالغة 1.6مليار دولار، وضرورة امتثال البنوك لطلب”المركزي”بتكوين مخصصاتها، وكانت آخر مهلة أطلقها الحاكم بحلول آذار الذي حلّ وانقضى، محذراً ـ حينها ـ من أن المتخلفين سيواجهون إجراءات إنفاذ صارمة تشمل عقوبات وقيوداً على رأسمالها لضمان الاستقرار المنهجي واستعادة الثقةفي النظام المالي..
لا ندري هل امتثلت البنوك المخالفة، لكن تذكير الحاكم يأتي في وقت تعتري معظم القائمين على المصارف الخاصة السورية، حالة من الترقب والشدّ العصبي، إزاء التطورات المتسارعة على مستوى إعادة ترتيب أوراق ومفردات سوق ومنظومة أقل ما يمكن أن توصف به أنها «مرتبكة».

* قلق

يتلقى القائمون على البنوك الخاصّة السورية بكثير من القلق.. إشارات سبق وأن أطلقها الحاكم حصرية، بشأن الأعداد الهائلة من طلبات البنوك الخارجية للدخول إلى السوق السورية، إضافة إلى أنباء عن استعداد بنوك تركية وأخرى خليجية «سعودية» للدخول إلى السوق السورية، في سياق تفاهمات رفيعة على مستوى الحكومات.

إذ لفتت تصريحات سابقة لوزير المال السوري إلى اعتزام بنوك سعودية دخول السوق السورية.

وهناك أنباء عن تفعيل أكبر لدور بنك بيمو السعودي الفرنسي.. الذي هو بطبيعة الحال صاحب مروحة الأداء الأوسع طيفاً في السوق السورية بعد ضم بنكين «الأهلي وبيبلوس» إليه، فيما يشبه الاندماج الناجز وغير المعلن على مستوى جمهور المتعاملين.

*ارتباك

بالفعل تبدو البنوك المتورطة بملف الودائع اللبنانية، مرتبكة اليوم مع انتهاء مهلة الـ «6 أشهر» التي حددها الحاكم، وأعاد التذكير بها، لتسوية أوضاعها بخصوص الانكشاف المالي على أزمة البنوك اللبنانية بقيمة تصل إلى 1.6 مليار دولار. وبالطبع مصطلح انكشاف ينطوي على مخاطرة ناتجة عن سلسلة «أخطاء» في إدارة المحافظ والتوظيفات، ونقول أخطاء ولم نشأ استخدام مصطلح ارتكابات لأن ذلك لم يثبت بعد ويحتاج إلى تحقيقات تمليها حقوق المساهمين عموماً.

مع تفهّم الجميع سلفاً لما سيدفع به من سيُسأل من أصحاب القرار في هذه البنوك، من ضرورات حتمتها ظروف المقاطعة والحصار، أملت اللجوء إلى اقتصاد وبنوك وسيطة كالاقتصاد والبنوك اللبنانية.

* التباس

في سياق مثل هذه المستجدّات.. ثمة ما لا بد من قوله اليوم في شأن المنظومة المصرفية الخاصة في سوريا، والإفصاح عن مشهد الخلل البنيوي العميق الذي اعتراها منذ التأسيس، وسلسلة التراخيص التي بدأت في العام 2004، في سياق قرارات بشّرت بالانفتاح بعد عقود طويلة من المنع والحظر والتقوقع داخل «مقصورة الاشتراكية»، وأدبيات القطاع العام المقحمة على مضمار مالي تتجلى في بدهياتمنطلقاته وأدائه ذروة الحالة الرأسمالية والليبرالية الاقتصادية.
آنذاك، احتضن القطاع المصرفي الخاص في سوريا واجهة ما يمكن تسميته «مؤسسات الانفتاح الاقتصادي السوري»، انفتاح لم يكن في الواقع خاضعاً لاعتبارات اقتصادية خالصة، بل كان ثمة أبعاد سياسية ظهرت بنفحة ولاءات فيما يخص السماح للبنوك اللبنانية باستنساخ نفسها في سوريا، ومجاملات حكومية بالنسبة لباقي البنوك ذات الارتباط العربي.

ومن خلطة كل هذه الاعتبارات نشأ في السوق السورية 16 مصرفاً خاصاً، ما بين التقليدي والإسلامي، تعود في مساهماتها التأسيسية لبنوك لبنانية ـ هي الأكثر عدداً ـ وأخرى قطرية وسعودية وكويتية وأردنية وبحرينية، بعض البنوك الناشئة حمل ذات اسم «البنك الأم»، والباقي حمل مسميات محلية مستقلة، لكن في كلا الحالتين تستحوذ البنوك الأم على الحصة الأكبر من رأس المال التأسيسي.. أما البنك السوري الخالص الوحيد فهو البنك الوطني، وهو حديث التأسيس قبيل التحرير بحوال العام.

* أداء مريب

الآن، وبعد 21 عاماً على بدء تدفق البنوك الخاصة إلى سوريا، وعلى أعتاب مرحلة جديدة تبدو مفصلية في القطاع، من المهم بالفعل التساؤل: ما الإضافات التنموية الحقيقية التي حققتها هذه البنوك على مستوى الاقتصاد السوري، بما أن البنوك في العرف الاقتصادي التقليدي هي محركات تنموية حقيقية؟ وهنا سيجد من يتحرى عن التفاصيل، صعوبة كبيرة في تلمّس أي دور حقيقي اقتصادي أو اجتماعي مارسته بعض البنوك الخاصة التي لاذت «بالصمت الاقتصادي» إن صح التعبير.
إذ يبدو أن بعضها جاء إلى زبائنه في سورية بدلاً من ذهابهم إليه حيث هو لدى الجوار، وشرعنة نشاط هؤلاء من خلال توطين حساباتهم محلياً «رغم ذلك بقي بعض رجال الأعمال زبائن لدى البنك الأم خارجاً».
وكان لافتاً حجم المفارقة الكبيرة بين البيانات التمهيدية والترويجية المرافقة لافتتاح هذه البنوك حول خططها الطموحة وإدخال منتجات مصرفية جديدة كانت غائبة عن سوريا، وضخ تمويلات تنموية من شأنها إنعاش مطارح مفترض إنعاشها، هذا إضافة إلى وعود تتعلق بما يسمى «المسؤولية الاجتماعية» تجاه البلد الذي احتضنها.. ومفردات جاذبة أخرى بدا معدّوها حاذقون في اختيار مفرداتها.

* فروع بهيئة بنوك

يبدي الدكتور علي كنعان، أستاذ المصارف والنقد وعميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، في حديثه لـ «الخبير السوري»، استغرابه من أن البنوك الخاصة التي اعتمدت في تأسيسها على البنوك اللبنانية «بنك أم» لم تكن بنوكاً سورية في الواقع، بل عبارة عن فروع للبنوك الأم في لبنان، أتت لتستثمر في سورية بكوادر مدرّبة ومؤهلة تستطيع أن تتعامل مع اقتصاد خارج من الحقبة الاشتراكية والاقتصاد المركزي، ويعتزم الانفتاح على العالم. استغلت البنوك الخاصة هذه الحقيقة وجمعت ودائع بمئات المليارات وحولتها إلى دولار، ثم قامت بتهريبها إلى لبنان بعدة وسائل، وتم توظيفها في «البنوك الأم» أو في سندات الخزينة هناك.

* شبهة

يتّهم كنعان البنك المركزي السوري بتشجيع هذه البنوك على تحويل جزء كبير من موجوداتها الدولارية إلى الخارج تحت عنوان تمويل المستوردات، فكلمة بنك مراسل تعني أن يحتجز البنك 5% من الودائع، لكن كانت الطامة الكبرى أن ميزانيات هذه البنوك أشارت إلى أن بعضها احتجز 50% وأحياناً 60% من الودائع التي تم تجميعها من الاقتصاد السوري. ويشير إلى أن هذه المصارف جمعت موجودات وفوائض هائلة من الاقتصاد السوري، قام بعضها بنقل ما لديه إلى لبنان للاستثمار إما في سندات الخزينة اللبنانية، والتي هي كذبة ولعبة استعملها الفاسدون ونهبوا أموال الدولة اللبنانية وتركوا الحكومة اللبنانية بلا إمكانيات، وبالتالي أعلنت إفلاسها في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2019.

*تسهيل

الأخطر من ذلك كانت إشارة «عميد اقتصاد دمشق» إلى أن البنك المركزي السوري ومصرف لبنان، لعبا خلال سنوات خلت، دوراً أساسياً في تيسير وتسهيل التلاعب بالأموال وتنقلها، سواء التي دخلت لبنان أو التي دخلت إلى سورية للحصول على صكوك التمويل «البراءة»، ومن ثم يُعاد ترحيلها إلى لبنان، وبعدها إلى أوروبا، أي هناك لعبة غسيل أموال كبرى كانت تحصل منذ العام 2004 وحتى العام الماضي ما قبل التحرير.

* سلبيّة

يؤكد د. كنعان أنه لا يمكن تلمّس أي أثر لتوظيفات البنوك الخاصة السورية تنموياً في بنية الاقتصاد السوري، بل كان التمويل متركزاً على إنشاء الفلل والقصور في الصبورة بريف دمشق ومناطق حلب.. فلم نشهد تمويلاً لمصنع كبير.. الحالة الأكثر وضوحاً كانت تمويلاً لمعمل سكر في حمص من أحد البنوك.. تعرض صاحب المعمل المقترض للإفلاس لأن مبلغ القرض يكفي لتأسيس مصنعين أو ثلاثة، وقد وظف المستثمر أموال القرض في الخارج ثم أعلن إفلاسه، ليتورط البنك في المحصلة.

ويصرّ أستاذ المصارف والنقد على أن لا تمويلات تُذكر ضختها المصارف الخاصة في الاقتصاد السوري، على الرغم من حيازتها ودائع تصل إلى تريليون ليرة سورية عندما كان سعر صرف الليرة السورية 50 ليرة للدولار الواحد.. أي كانت تستحوذ على ثلث السيولة المتداولة في الاقتصاد السوري ولم توظف أو تشجع أي استثمار.

* الرهن العقاري

أكثر من ذلك.. يشير أستاذ النقد إلى أن أحد البنوك الخاصة السورية خسر في أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية بحدود 20 مليون دولار. وبلغت العمولات التي كانت تحصل عليها البنوك اللبنانية قبل تأسيسها داخل الاقتصاد السوري – قبل 2004 – ما يعادل مليار دولار، أي 50 مليار ليرة سورية سنوياً، وهذا الرقم يعادل 5% من الناتج الإجمالي المحلي السوري من العام 1995 وحتى العام 2005.

فيما بعد، حين تم تأسيس البنوك الخاصة في سوريا، ارتفع الرقم إلى أكثر من 10%، أي بحدود 2 مليار دولار.

* غربلة

يتوقع معظم المتابعين والمتخصصين في الشأن الاقتصادي والمصرفي الذين تحدثنا معهم، أن تفضي الإجراءات التصويبية العميقة التي أعلنت عنها السلطة النقدية في سوريا، إلى «غربلة» غير مباشرة للسوق المصرفية. ويتوقعون انسحاب بعض البنوك الهزيلة من سوريا بعد تراجع مرتقب لحصصها السوقية في الاقتصاد السوري. وينطلق أصحاب هذه النبوءات من حقيقة أن المنظومة الاقتصادية السورية لا تتسع ولا تتطلب أساساً العدد الكبير من البنوك القائمة، وأن نصف العدد يكفي في حال كانت البنوك تؤدي نشاطاً مصرفياً اقتصادياً حقيقياً.

[ جديد الخبير ]