في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز التقنية إلى عمق التحول الاقتصادي، تستعد سوريا لإطلاق منصة متخصصة لتنظيم سوق الصرف، في محاولة جادة لضبط إيقاع العملة وإعادة التوازن إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في اقتصادها. هذه المبادرة، التي يجري تطويرها بالتعاون مع شركة دولية، تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة هيكلة النظام النقدي وبناء بيئة مالية أكثر شفافية وانضباطاً. حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، أكد أن المشروع بلغ مراحل متقدمة، مشيراً إلى أن الهدف لا يقتصر على تنظيم السوق، بل يتعداه إلى خلق آلية عادلة لتسعير العملة، بعد فترة شهدت تذبذبات حادة وضغوطاً متراكمة. ويأتي ذلك مدعوماً بما وصفه المصرف بـ”تحقيق قدر من الاستقرار النقدي”، وهو ما يفترض أن يشكل نقطة انطلاق لمرحلة أكثر استقراراً. لكن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع، تحاول فيه سوريا إعادة وصل ما انقطع مع النظام المالي العالمي. فبعد سنوات من العزلة، بدأت ملامح انفتاح تدريجي تظهر، عبر تحركات لإعادة الارتباط بنظام التحويلات الدولية سويفت، واستئناف محدود للتعامل مع بنوك خارجية.
* تحركات موازية
في موازاة ذلك، تتسارع الجهود لتوسيع شبكة العلاقات المصرفية، حيث أعلن الحصرية، خلال تصريحات لـ الشرق مع بلومبيرغ، عن فتح حساب لمصرف سوريا المركزي لدى البنك المركزي التركي، في خطوة تهدف إلى تسهيل التبادل التجاري الذي كان يعاني من اختناقات حادة بسبب غياب قنوات الدفع المباشرة. كما يعمل المصرف على بناء شبكة علاقات أوسع مع مؤسسات مالية دولية، تشمل الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الكندي ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، في مسعى لتسهيل التحويلات وتعزيز الانفتاح المالي. وتستكمل هذه الجهود بخطط لعقد شراكات مع مؤسسات أوروبية، من بينها جهات مصرفية في ألمانيا والنمسا، لإعادة بناء جسور الثقة مع النظام المالي الدولي. وتعليقاً على ما ورد قال الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى “للعين السورية ” : ان اصدار هذه المنصة هو خطوة في الاتجاه الصحيح… ولكن في قراءة تحليلية لهذه التطورات، يرى المصطفى أن إطلاق منصة لتنظيم سوق الصرف يمثل خطوة ضرورية للحد من الفوضى التي تخلقها الأسواق الموازية، لكنه لا يعد حلاً سحرياً ويضيف أن نجاح هذه المبادرة مرهون بمدى قدرة المصرف المركزي على توفير السيولة بالعملات الأجنبية، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.. ويحذر من أن أي اختلال في هذه المعادلة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، قائلاً: إذا لم تدعم هذه الخطوة بسياسات اقتصادية متكاملة تعزز الإنتاج وتزيد من تدفقات النقد الأجنبي، فإن السوق قد يعيد إنتاج نفسه خارج الأطر الرسمية..
* رهان على المستقبل: بين الفرصة والتحدي!!
اقتصادياً، تحمل المنصة المرتقبة إمكانات مهمة، إذ يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة تسعير العملة، وتقليل المضاربات، وتوفير بيانات أدق لصناع القرار. كما أن التوجه نحو تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، بالتعاون مع شركات عالمية مثل فيزا وماستركارد، يعكس رغبة في تحديث البنية التحتية المالية وتقليل الاعتماد على النقد. إلا أن الطريق لا يزال محفوفاً بالتحديات. فنجاح أي إصلاح نقدي يتطلب بيئة مستقرة، وثقة محلية ودولية، وتدفقات مالية مستدامة—وهي عناصر لا تزال في طور التشكل في الحالة السورية. كما أن أي تخفيف للقيود الدولية قد يلعب دوراً حاسماً في تسريع التعافي وفتح المجال أمام استثمارات جديدة.
وهنا نستطيع القول ان سوريا اليوم تقف عند مفترق طرق نقدي. و المنصة الجديدة قد تكون بداية لمرحلة مختلفة، عنوانها التنظيم والشفافية، لكنها تبقى أداة ضمن منظومة أوسع من الإصلاحات المطلوبة. فبين الطموح والواقع، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الخطوة في كسر الحلقة المغلقة لسوق الصرف، أم أنها ستواجه التحديات ذاتها بثوب جديد؟ الإجابة، كما يرى كثير من المراقبين، ستتوقف على ما هو أبعد من المنصة نفسها—على قدرة الاقتصاد ككل على استعادة توازنه، وثقة الداخل والخارج على حد سواء.