رأى الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين، أن تراجع سعر صرف الليرة السورية خلال الفترة الأخيرة لا يمكن التعامل معه كحركة ظرفية في سوق الصرف، بل هو انعكاس مباشر لتراكم اختلالات اقتصادية ومالية وهيكلية ممتدة، تتقاطع فيها عوامل داخلية وخارجية وتؤثر بشكل مباشر على استقرار الاقتصاد والمعيشة.
واعتبر محي الدين، أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق يعكس بوضوح اختلالاً في توازنات العرض والطلب على القطع الأجنبي، في ظل تراجع مصادره الأساسية، وعلى رأسها انخفاض التحويلات الخارجية وتراجع العائدات السياحية، إضافة إلى ضعف تدفقات الاستثمار نتيجة حالة الترقب وعدم اليقين في البيئة الاقتصادية.
وأوضح أن استمرار التوترات الإقليمية وتداعياتها الاقتصادية ساهم في تقليص حركة رؤوس الأموال، وتأجيل قرارات الاستثمار، الأمر الذي انعكس سلباً على توفر النقد الأجنبي في السوق، وزاد من الضغوط على سعر صرف الليرة.
خارج السيطرة
ولفت الخبير الاقتصادي، إلى أن اختلال الميزان التجاري، المتمثل في ارتفاع حجم المستوردات مقابل ضعف الصادرات، يشكل عاملاً هيكلياً مستمراً في الضغط على العملة المحلية، حيث يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار بشكل يفوق قدرة الاقتصاد على توليد القطع الأجنبي.
وأشار إلى أن السياسة النقدية، وفي حال توسع الكتلة النقدية دون وجود نمو إنتاجي حقيقي مقابل، تسهم في رفع معدلات التضخم، وتؤدي إلى تآكل القوة الشرائية لليرة، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات ومستوى المعيشة.
مؤكداً أن آثار هذه التطورات لا تقتصر على الجانب النقدي فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي، حيث تؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع معدلات الفقر والضغط المعيشي، إضافة إلى خلق بيئة غير مستقرة للأعمال والاستثمار.
وبيّن أن عدم استقرار سعر الصرف ينعكس سلباً على قطاع الأعمال من حيث صعوبة التخطيط والتسعير، وارتفاع مستويات المخاطر، ما يؤدي إلى إحجام عن الاستثمار، خاصة في القطاعات الإنتاجية طويلة الأجل.
تآكل الثقة
يحذّر د. محي الدين من أن استمرار الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق قد يفتح المجال أمام المضاربات المالية ويزيد من احتمالات التشوهات في السوق، بما يضعف كفاءة السياسة الاقتصادية ويعمّق حالة عدم الثقة.
وأكد أن هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى تراجع الثقة بالعملة المحلية وبالسياسات الاقتصادية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويؤثر على المزاج العام وتقييم الأداء الاقتصادي.
شفافية وتحسين أداء
واشار محي الدين إلى أن معالجة هذا التراجع تتطلب حزمة إصلاحات متكاملة وشاملة، تبدأ بتحسين كفاءة الأداء الحكومي ورفع مستوى الشفافية والمساءلة، مروراً بإقرار تشريعات اقتصادية جاذبة للاستثمار، خاصة في القطاعات الإنتاجية والتصديرية.
وشدد على أهمية إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي وتطوير أدوات السياسة النقدية بما يحقق التوازن بين الكتلة النقدية والإنتاج الحقيقي، إضافة إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق.
واختتم بالتأكيد على أن تعزيز الثقة بالمؤسسات الاقتصادية والرقابية يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح اقتصادي، مشيراً إلى أن الاقتصاد لا ينتظر، وأن استمرار التأخر في المعالجة سيؤدي إلى زيادة الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، والتي يتحملها المواطن في النهاية بشكل مباشر.
العين السورية