مياه اليرموك بين سوريا والأردن.. من القطيعة إلى المصافحة الدافئة

الخبير السوري:

في خطوة وُصفت رسمياً بأنها “ قطع أشواط” في إدارة أهم الملفات الإستراتيجية بين دمشق وعمّان، أعادت رسالة الرئيس أحمد الشرع إلى الأردن، بيد وزير الخارجية أسعد الشيباني، إمكانية تجاوز تاريخ من الخلافات بين الجانبين، السوري والأردني، حول مياه حوض اليرموك في إطار تعزيز التكامل الاقتصادي، وذلك خلال اجتماع الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني في عمّان.

* انطلاقة جديدة

تأتي الرسالة عقب تزايد التفاهمات بين دمشق وعمان في الرغبة لتفعيل الاتفاقيات القائمة على مشاريع تقنية وتشغيلية حيوية لكلا البلدين، وفي العلاقات المائية تحديدًا، قُطعت خلال الأشهر الماضية أشواطاً قياسية مقارنة بحجم الجمود السابق، حيث جرى الاتفاق في تموز 2025 على نقاط مشتركة لضمان التوزيع العادل للمياه في حوض اليرموك، وتطوير الحوض، وتعزيز مشاريع الاستمطار، ومراقبة المصادر المائية والتحكم فيها عن بعد، ثم تطور الأمر لاحقًا إلى إعادة تفعيل اللجنة الفنية عمليًا، مع دراسة ملف الاستنزاف العشوائي والآبار المخالفة في الحوض، وصولًا إلى ما أعلنه الجانب السوري من قرار حكومي بوقف الآبار المخالفة ومنع حفر الجديد منها.

* عهد سياسي

الرسالة الرئاسية السورية التي نُقلت إلى الأردن، ومفادها أن “ سوريا سوف تتقاسم المياه مع الأردن”، تحمل أبعاداً ذات معنى، حيث يبين أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال حسن عبدالله الدعجه أن للرسالة دلالة سياسية أكثر من كونها “عبارة بروتوكولية”، لكونها تحمل إقراراً سورياً صريحاً بأنّ ملف المياه لم يعد على الهامش، وإنما جزءاً من إعادة بناء الثقة بين دمشق وعمان نحو شراكة استراتيجية مؤسساتية.
ويرى الدعجه في السياق الذي جاءت عبره الرسالة تأسيساً لمناخ تفاوضي جديد يسبق النصوص الملزمة بما فيها إعادة النظر في اتفاقية نهر اليرموك 1987، موضحاً أن لا دليل فيما إذا كانت الرسالة اتفاقاً قانونياً جديداً مكتمل الأركان، وأقرب لأن تكون تعهّد سياسي رفيع المستوى.

* انعكاسات استراتيجية

الاتفاق المائي بين سوريا والأردن على نهر اليرموك ضرورة لضمان الأمن المائي لكلا البلدين انطلاقاً من كونه المصدر الحيوي للمياه العابرة للحدود، فمن ناحية تأثير الاتفاق على البلدين، تشير أستاذة التخطيط الإقليمي في جامعة دمشق، الدكتورة نسرين علي السلامة، إلى أن الاتفاق يُمثل حجر الزاوية في إدارة الموارد المائية المشتركة لأجل تحقيق التوازن بين احتياجات المياه العذبة، وتوليد الطاقة الكهرومائية، ودعم القطاع الزراعي، مما ينعكس على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة. لافتةً إلى أن هذا الاتفاق يسهم في تجنب النزاعات المحتملة على الموارد المائية الشحيحة بين البلدين، لا سيما سعي الأردن للحصول على حصته السنوية المقررة من مياه اليرموك (200 مليون متر مكعب).

* من الدبلوماسية إلى الطاقة

بالمقابل، يضع البروفيسور الدعجه انعكاسات هذا التعاون في السياقين الطاقوي والدبلوماسي معاً، وذلك عبر الانتقال من إدارة ملفات منفصلة إلى إطار تنسيقي شامل، تُرجمت آلياته لاستئناف إمدادات الغاز إلى سوريا، ومراجعة الربط الكهربائي، وطرح مشاريع تكامل أوسع تشمل الممرات البرية والسكك والربط الرقمي. ويؤكد على أن مأسسة التعاون المائي ليست بمعزل عن الطاقة والنقل والحدود، وذلك لأن الأردن يريد بيئة حدودية مستقرة ومصالح اقتصادية آمنة، مقابل انفتاح سوري على الممر الأردني وعلى الخبرة الأردنية في الإدارة والخدمات والبنية التحتية.

* حوامل الاتفاق الجديد

وإن تضمنت اتفاقية نهر اليرموك تنظيم تقاسم مياهه بين الطرفين إلا أنها واجهت تجاوزات ومخالفات سابقة من قبل نظام الأسد البائد، تمثلت في تجاوز العدد المتفق عليه من السدود على النهر من 27 إلى 48 سدّاً، بالإضافة إلى حفر آلاف الآبار الجوفية، مما أثر سلبًا على تدفق النهر وجفاف الينابيع مسبباً نقصان حصة الأردن من المياه، وبالتالي على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بحسب الدكتورة السلامة.
ومع عودة تفعيل أعمال اللجان الفنية المشتركة بين الأردن وسوريا وإمكانية تعديل اتفاقية 1987، يعتقد الدعجه أن أي اتفاق مائي جديد يجب أن يقوم على مرتكزات تتضمن تعريفاً واضحاً ومحدثاً للحصص المائية وفق الواقع الهيدرولوجي الحالي لا وفق افتراضات الثمانينيات، إلى جانب ضبط الاستجرار في كامل حوض اليرموك، وإنشاء نظام قياس ورقابة رقمي لحظي على التدفقات تجنباً للخلاف القائم على التقديرات السياسية، مضيفاً أهمية وضع آلية دورية وسريعة لفض النزاعات عبر لجنة دائمة لا تتعطل بتغير الظروف السياسية، مع ضرورة تضمين الاتفاق مبدأ “المنفعة المتبادلة” لا “المطالبة الأحادية”، بما يراعي الحقوق العادلة للبلدين.

* اعتبارات راهنة

ونظراً لتمتع حوض اليرموك بموقع جيوسياسي من الحدود الطبيعية بين سوريا والأردن، تبين الدكتورة السلامة جملة من التحديات لطرفي الاتفاق اليوم، تتجلى في التوغلات الإسرائيلية باتجاه الينابيع والسدود المائية الرئيسية جنوب سوريا باتجاه أهم الينابيع المائية العذبة الموجودة في حوض اليرموك وصولاً لسد الرقاد وسد الوحدة القريب من الحدود الأردنية، وتتوقع السلامة قيام إسرائيل بالعبث في مجاري المياه السطحية والجوفية مما يؤثر بدوره على الوضع المائي الجوفي في حوض مياه اليرموك، ويهدد الأمن المائي في المنطقة.
بالتوازي مع التحديات السياسية، يرى البروفيسور الدعجه أنّ نجاح الاتفاق يرتبط بمستوى الاستقرار الأمني في الجنوب السوري، فأي اضطراب أمني سينعكس مباشرة على القدرة على إدارة الموارد والحدود، ويضيف أن التغير المناخي وتذبذب الهطل إلى جانب ضعف البنية التحتية المائية في الجنوب السوري بعد سنوات الحرب والحاجة إلى التمويل والتقنيات والمراقبة المستدامة يزيد من جملة التحديات البنيوية أيضاً، مؤكداً على ضرورة الانتقال من حسن النية السياسية إلى نص قانوني وتنفيذ تقني صارم، لتتحول عبارة “نتقاسم المياه” من رسالة طمأنة إلى معادلة استقرار فعلي بين الجارين.

تفاؤل

يُعد الاتفاق المائي بين سوريا والأردن محوراً استراتيجياً يضمن الأمن المائي والطاقوي بين بلدين يعانيان من ندرة الموارد، وبالرغم من تاريخه الطويل المليء بالتحديات وعدم الالتزام، تبقى التطورات الأخيرة مبعث تفاؤل لفتح صفحة جديدة في ملف العقلات المائية نحو تنمية مستدامة لكل من سوريا والأردن.

العين السورية

[ جديد الخبير ]