في لحظة تتسارع فيها التحولات الاقتصادية وتتعقد فيها تحديات السوق المالي السوري، يعود سؤال الثقة إلى الواجهة بقوة: كيف يمكن إعادة بناء جسور الثقة بين المستثمر وسوق الأوراق المالية؟
وهل تستطيع البورصة استعادة دورها الحقيقي كمحرك للاقتصاد الوطني لا مجرد منصة تداول؟
في هذا السياق، يضع الدكتور عبد الرزاق قاسم، رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، صورة واضحة للمرحلة المقبلة، كاشفًا في عن حجم التحديات التي تكبل السوق، وفي الوقت ذاته عن مسارات إصلاح يُراد لها أن تعيد تشكيل المشهد المالي من جذوره.
يرى قاسم أن قرار إعادة التداول في عام 2025 وفق معايير الامتثال والإفصاح لم يكن خطوة إجرائية عابرة، بل محطة مفصلية في طريق بناء الثقة وترسيخ الشفافية، باعتبارها حجر الأساس في أي سوق مالية قادرة على النهوض.
لكن رغم ذلك، لا تزال السوق تقف أمام تحديات ثقيلة، في مقدمتها شح السيولة في الجهاز المصرفي، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة الأموال، ويقيد تدفقها نحو السوق، ويضغط على مستويات التداول من حيث الحجم والقيمة.
ضعف الأداء التشغيلي
ولا يتوقف المشهد عند السيولة، إذ يشير قاسم إلى أن ضعف الأداء التشغيلي لعدد كبير من الشركات المدرجة، بفعل الظروف الاقتصادية وتداعياتها على القطاع المصرفي، أدى إلى تراجع نتائجها المالية، وبالتالي فقدان جزء مهم من جاذبيتها الاستثمارية.
وإلى جانب ذلك، يظهر تحدٍ أعمق يتمثل في ضيق قاعدة الشركات المدرجة، نتيجة ضعف تأسيس شركات مساهمة عامة وغياب الثقافة التي تدفع الشركات العائلية والخاصة إلى التحول نحو هذا النموذج، ما ينعكس مباشرة على عمق السوق وقدرته على النمو.
وفي السياق ذاته، تبقى محدودية الأدوات الاستثمارية نقطة ضعف واضحة، إذ لا يزال السوق يعتمد بشكل شبه كامل على الأسهم، دون تنوع حقيقي في الأدوات المالية القادرة على جذب شرائح أوسع من المستثمرين.
خريطة إصلاح
لكن الصورة لا تقف عند حدود التحديات.. فوفق ما يطرحه قاسم، هناك حزمة إصلاحات تتحرك على أكثر من مستوى، تبدأ من تحديث البيئة التشريعية والتنظيمية وإعادة صياغة القوانين بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية، في محاولة لفتح نافذة جديدة أمام السوق.
ومن أبرز هذه التحركات تعديل نظام حوكمة الشركات المساهمة العامة بما يرفع مستوى الإفصاح ويعزز الشفافية ويحمي حقوق المساهمين، في خطوة تهدف إلى إعادة بناء الثقة داخل السوق من الداخل.
وبالتوازي، يجري العمل على مشاريع تشريعية أكثر جرأة في توسعة الأدوات الاستثمارية، وعلى رأسها قانون الصكوك الإسلامية وقانون صناديق الاستثمار، بما يعني عمليًا فتح أبواب جديدة أمام المستثمرين لم تكن متاحة سابقًا. كما يجري إعداد تعديل خاص بتعليمات الاستثمار الأجنبي في سوق دمشق للأوراق المالية، في محاولة واضحة لاستقطاب رؤوس الأموال الخارجية وإعادة ضخ الحياة في السوق المحلية.
تكامل الجهود مطلب
ويرى قاسم أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يُبنى بشكل منفصل، بل يحتاج إلى تكامل مؤسسي واضح. فالحكومة مسؤولة عن رسم السياسات المالية والنقدية وإقرار التشريعات، فيما تتحمل هيئة الأوراق والأسواق المالية دور التنظيم والرقابة وحماية المستثمرين، إلى جانب دور مصرف سورية المركزي في دعم الاستقرار النقدي والبنية المالية.
أما داخل السوق نفسها، فتقع المسؤولية على الشركات المساهمة في الالتزام بالحوكمة والإفصاح، وعلى شركات الوساطة في رفع كفاءة السوق عبر الخدمات المالية والاستشارات وإدارة المحافظ الاستثمارية.
أداة اقتصادية بانتظار التفعيل
وفي المحصلة، لا يرى قاسم البورصة مجرد منصة لتداول الأسهم، بل أداة اقتصادية قادرة على لعب دور أكبر بكثير، يمتد إلى تمويل المشاريع الكبرى وإعادة الإعمار، سواء عبر السندات الحكومية أو الصكوك الإسلامية، بما يوفّر بدائل حقيقية للتمويل المصرفي التقليدي. كما يشير إلى أن تنشيط السوق وتوجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج، وفتح الباب أمام طرح بعض مؤسسات القطاع العام للاكتتاب، يمكن أن يشكل نقطة تحول في كفاءة هذه المؤسسات وشفافيتها.
ويختتم حديثه عند نقطة محورية: هي انفتاح السوق أمام المستثمرين العرب والأجانب، وإعادة ربط الاقتصاد السوري بالأسواق المالية العالمية، ليس مجرد خيار، بل خطوة أساسية في طريق إعادة بناء المنظومة الاقتصادية.
العين السورية