سوريا بعد عقد من الصّراع… تفكُّك الطّبقة الوُسطى وإعادة تشكيل البُنية الاجتماعيّة

الخبير السوري:

خلال ما يزيد عن عقد من الصّراع، لم تقتصر خسائر سوريا على الدّمار المادي والبشري، بل امتدت لتُصيب أحد أهم أعمدة الاستقرار في أي مجتمع… الطبقة الوسطى، هذه الفئة، التي كانت تُمثّل قبل عام 2011 نحو 60 بالمئة من السُّكان، تراجعت بشكل حاد لتكاد تختفي اليوم، مع انزلاق الغالبية السّاحقة من السّوريين إلى ما دون خط الفقر.

هذا التحوّل العميق لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تداخل مُعقّد بين الحرب، والانهيار الاقتصادي، والسّياسات المالية، والتّغيّرات الاجتماعية، ما أدى إلى إعادة تشكيل البُنية الطّبقيّة في البلاد بشكلٍ غير مسبوق وحالة من الاستقطاب الحادّ بين الفقر المُدقع والثّراء المُرتبط باقتصاد الأزمة.

ديناميكيات الانهيار الاقتصادي

شكّل التدهور الحاد في قيمة الليرة السورية نقطة تحول مركزية في مسار تآكل الطبقة الوسطى، فقد أدى الانخفاض المُتسارع في سعر الصّرف إلى تآكل فعلي في الأجور والمُدّخرات، ما أفقد الدُخول الثّابتة قدرتها على تغطية الاحتياجات الأساسية، ودفع شرائح واسعة إلى ما دون خط الفقر.

ترافقت الحرب مع تراجع حاد في النشاط الاقتصادي نتيجة خروج المنشآت الصناعية من الخدمة، تدمير البُنية التحتية، وتقلّص الاستثمارات.

هذا الانكماش أدى إلى فقدان واسع للوظائف، وهو ما أصاب بشكل مُباشر الفئات التي تعتمد على الدخل المُنتظم أو المشاريع الصغيرة، وهي القاعدة الأساسية للطبقة الوسطى.

صعود اقتصاد غير مُنتِج

في موازاة هذا التّراجع، برزت أنماط اقتصادية بديلة قائمة على مبدأ المُضاربة، السّوق السوداء، وشبكات الفساد، ما أسهم في إعادة توزيع الثّروة بشكل غير عادل، حيث تركّزت الموارد في يد فئة محدودة، بينما فقدت الأغلبية مصادر دخلها.

هجرة رأس المال البشري

أدى تدهور الظروف المعيشية والمهنية إلى موجة هجرة واسعة شملت الكفاءات الأساسية، مثل: الأطباء والمهندسين والمعلمين، هذا النّزيف البشري لم يُضعف فقط الطبقة الوسطى، بل قوّض أيضاً القُدرة المُستقبليّة للاقتصاد على التّعافي وإعادة البناء.

ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع الخدمات

تفوق تكاليف المعيشة في سوريا مستويات الدخل بشكل كبير، في ظلّ ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، تدهور خدمات الكهرباء والمياه، وتضاعف تكاليف النقل.

هذا الواقع دفع الأسر إلى استنزاف مُدّخراتها أو التّخلي عن احتياجات أساسية، ما عمّق دائرة الفقر.

كما تحوّلت الحياة اليومية إلى عملية إدارة للأزمات ما تسبب بتغيير أنماط المعيشة، حيث باتت الأولويات تتركز حول تأمين الغذاء والوقود، مع تراجع واضح في مستويات الاستهلاك الصحي والتعليمي، ما أدى إلى تغيّرات في السّلوك الاجتماعي، من بينها: الاعتماد المُتزايد على الدّعم الحكومي المحدود أو التحويلات الخارجية.

بالنتيجة، انعكس تدهور الأوضاع الاقتصادية على جُودة الخدمات الأساسية، خاصّة في قطاعي التعليم والصّحة، نتيجة انخفاض دخُول العاملين فيهما، ما يُهدّد بتداعيات طويلة الأمد على التنمية البشرية.

انحسار الدور الاجتماعي للطبقة الوُسطى

تاريخياً، لعبت الطبقة الوُسطى دوراً محوريّاً في تحقيق التّوازن الاجتماعي والاستقرار السّياسي.

إلا أنه ومع تآكل هذه الطّبقة تراجعت قُدرة المجتمع على امتصاص الأزمات، ترافق مع ضعف ديناميكيات الحراك الاجتماعي، وازدياد الاعتماد على العلاقات غير الرسميّة والولاءات الضّيقة، وهو ما يعكس انتقال المجتمع من بُنية مدنيّة نسبيّاً إلى بُنية أكثر هشاشة وتفكّكاً.

آفاق إعادة التشكّل وإمكانيات التّعافي

رغم عميق الأزمة، فإن إعادة بناء الطبقة الوُسطى تبقى مُمكنة، لكنها مشروطة بتحوّلات هيكليّة، أبرزها: إعادة تنشيط الاقتصاد الإنتاجي عبر دعم الصناعة والزراعة، إيجاد فُرص عمل مُستدامة تستوعب القوى العاملة، إصلاح السّياسات النقديّة والماليّة لضبط التضخّم وتحسين الأجور، تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة، والعمل على استعادة الكفاءات المُهاجرة ودمجها في عملية إعادة الإعمار.

هذه الإجراءات لا تمثل حُلولاً آنيّة، بل مساراً طويل الأمد لإعادة بناء التّوازن الاقتصادي والاجتماعي.

ختاماً… إن تآكل الطبقة الوُسطى في سوريا يعكس أزمة تتجاوز حدود الاقتصاد لتطال جوهر الاستقرار المجتمعي، فغياب هذه الفئة لا يعني فقط انتشار الفقر، بل فقدان أحد أهم عوامل التوازن والتنمية.

وعليه، فإن أي مشروع لإعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي سيظل ناقصاً ما لم يضع إعادة بناء الطبقة الوسطى في صلب أولويّاته، باعتبارها الركيزة الأساسية لاستعادة الاستقرار وتحقيق نُمو مُستدام.

بارعة جمعة – شبكة مراسلين

[ جديد الخبير ]