خبير يجيب على السؤال الصعب..من أين ستمنح سوريا مياهاً للأردن؟

الخبير السوري:

 إعلان سوريا نيتها تقاسم مياهها مع الأردن مؤشر على مستوى التحسن الكبير في العلاقات الثنائية، وعن التنسيق المشترك في مواجهة ضغوط تمارسها إسرائيل على كلتا الدولتين، حسب ما قال الأكاديمي والخبير في شؤون المياه، نبيل سمان لـ”القدس العربي”، رابطاً بالوقت ذاته، الكرم السوري بمعدلات الأمطار الأخيرة التي تجاوزت 3 أضعاف الموسم السابق.

وعلى هامش أعمال الاجتماع الوزاري لمجلس التنسيق الأعلى بين سوريا والأردن، الذي استضافته عمّان، الأحد الماضي، أعلن مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الأحمد، في حديث لقناة “المملكة” الأردنية، أن الرئيس السوري أحمد الشرع حمل وزير خارجيته، أسعد الشيباني، رسالة مفادها بأن مياه سوريا سوف نتقاسمها مع الأردن.

وقال: “قطعنا أشواطاً ممتازة في ملف المياه مع الأردن، وهو يسير في المسار الصحيح، وبخطوات متسارعة”، مؤكداً أنه تم منع حفر الآبار العشوائية في كلا الجانبين على حوض نهر اليرموك في الأردن وسوريا.

وفي تصريحه لـ”القدس العربي”، أوضح سمان أن رسالة الشرع يمكن اعتبارها نتيجة لتحسن العلاقات الثنائية، والمدى الذي وصلت إليه، وجاءت في وقت تتخلّف فيه إسرائيل عن الالتزام بتنفيذ بنود اتفاقية السلام مع عمّان، ومنحها الحصص المقررة، بحجج تراجع معدلات الأمطار خلال المواسم الماضية، بل وتتعمد بيع الأردن كميات من منشآت تحلية المياه على المتوسط.

وقال إن رسالة الشرع تؤشر إلى تبادل الدعم في وجه الضغوط التي تمارسها تل أبيب بأساليب مختلفة على كل من دمشق وعمّان، موضحاً أن الكرم السوري، في الوقت ذاته، يطرح العديد من الأسئلة.

وأوضح: “الموسم المطري الحالي في درعا حقق المعدل السنوي، وهو وسطياً نحو 300 مم، أو زاد قليلاً في بعض مناطق المحافظة، بما يعادل ضعفي الموسم الماضي. والأمر ذاته في محافظة القنيطرة، حيث فاقت كميات الأمطار المعدل السنوي المقدر وسطياً بنحو 700 مم، بما يعادل ثلاثة أضعاف الموسم الماضي. لكن هذه الهطولات الخيّرة جاءت بعد سنوات عجاف أدت إلى جفاف جميع الينابيع والأنهار والسدود السطحية في المحافظتين السوريتين اللتين ينبع منهما نهر اليرموك، الواجب اقتسام مياهه بين البلدين الجارين”.

وتابع: “لا بد من ملاحظة أن تعويض المياه الجوفية التي تم استنزافها في الزراعة خلال المواسم السابقة يحتاج إلى أكثر من موسم مطري جيد. وهل يمكن للحكومة الضغط على أصحاب الآبار غير المرخصة، التي باتت بأعداد كبيرة، لردمها أو حتى لترشيد استهلاكها؟ من دون أن ننسى أنه في ظل التراجع الحاد لمستوى المعيشة في البلاد، وشبه انعدام فرص العمل، ومع عودة مئات الآلاف من النازحين واللاجئين السوريين إلى المحافظتين، وخصوصاً إلى درعا التي كانت مكان انطلاق شرارة الثورة السورية، فقد استبشر هؤلاء بالموسم الشتوي الأخير، ولجؤوا إلى الزراعة لتأمين لقمة العيش؛ فهل نستطيع أن نقول لهؤلاء: عليكم التوقف عن الزراعة؟”.

والأردن من أفقر دول العالم بالنسبة للمياه المستهلكة للأغراض المنزلية. وحسب أرقام رسمية، فإن حصة الفرد السنوية لجميع الاستخدامات هي أقل من 100 متر مكعب، وهذا يمثل أقل من 10% من خط الفقر المائي العالمي، الذي تُقدره الأمم المتحدة بحوالي ألف متر مكعب للفرد في السنة.

وكشف تقرير صادر عن وزارة المياه والري الأردنية عن بلوغ التدفق السنوي من نهر اليرموك إلى سد الوحدة في عام 2023 نحو 23.73 مليون متر مكعب، وسجل انخفاضاً في عام 2024 إلى 14.47 مليون متر مكعب فقط، وبلغ مخزون سد الوحدة في 2023 حوالي 3.85 مليون متر مكعب، مع تسجيل انخفاض أكبر خلال 2024.

ووفق سمان، من المفترض أن يحصل الأردن من إسرائيل، حسب اتفاق “وادي عربة” الموقع منذ عام 1994، على 50 مليون متر مكعب سنوياً من مياه نهري الأردن واليرموك ومن المياه الجوفية لوادي عربة، لتُنقل إلى الأردن عبر قناة “الملك عبد الله”، خلال فصل الصيف، لأن عمّان لا تستطيع تخزينها، لكن تل أبيب لا تلتزم، بل أعلنت أكثر من مرة رفض تسليم حصة المياه المتفق عليها للأردن، في انتهاك رسمي لأحد أهم بنود اتفاقية السلام بينهما.

وأحدث مستجدات هذا الملف، وفق المصدر، كشفت عنه قبل شهرين صحيفة “معاريف”، حيث نسبت لمسؤولين إسرائيليين بأنهم أبلغوا الأردن أنهم لا يعتزمون تسليم حصة المياه السنوية المقررة بموجب اتفاقية “وادي عربة”.

وذكّر سمان بأن الجانب الأردني يقول إنه لا يحصل أيضاً على كامل حصته من مياه نهر اليرموك بحجة أن سوريا تقوم بحجب نحو 95 مليون متر مكعب من مياهه. وخلال حكم الأسدين، ظهرت العديد من الاتهامات الأردنية بشأن التجاوزات السورية، والاستخدام الجائر لمياه نهر اليرموك وروافده، لكن الجانب السوري برر سياساته حينها بأنه ليس طرفاً في اتفاقية تقاسم مياه نهر اليرموك التي تضمنها اتفاق وادي عربة، وأن المرجع الأساسي لتقاسم المياه بين البلدين هو اتفاقية عام 1987.

ونهر اليرموك هو أحد أكبر روافد نهر الأردن، ويبلغ طوله 57 كلم، منها 47 كلم داخل الأراضي السورية، والباقي في الأردن، وينبع اليرموك من بحيرة المزيريب في محافظة درعا، ويشكل النهر جزءاً من الحدود السورية – الأردنية، وتغذيه بعض الروافد كوادي الرقاد القادم من الجولان السوري.

وفي تموز/ يوليو الماضي، عقدت اللجنة الفنية الأردنية – السورية المشتركة في منطقة سد الوحدة، اجتماعها الأول بعد سقوط النظام السوري السابق، وتم التوافق على تطوير حوض نهر اليرموك وتنفيذ مشاريع مشتركة بين الجانبين، ومراقبة مصادر المياه والتحكم فيها عن بعد، وفق وكالة الأنباء الأردنية “بترا”، في حين قالت وزارة الإعلام السورية، إن الجانبين اتفقا على إعداد دراسة لتقييم اتفاقية 1987 حول استثمار مياه النهر بين البلدين، بما يتماشى مع المستجدات المناخية.

وتوصلت عمّان ودمشق عام 1987 إلى اتفاق جديد حول استثمار مياه نهر اليرموك بدلاً من الاتفاقية الموقعة بين البلدين سنة 1953. ونصت الاتفاقية على إقامة سد وخزان الوحدة لجمع مياه النهر وتوليد الطاقة الكهربائية وإرواء الأراضي الأردنية، وكذلك إرواء الأراضي السورية الواقعة بعد موقع السد والمحاذية لمجرى النهر حتى منسوب 200 متر فوق سطح البحر، على أن يكون الأردن مسؤولاً عن إنشاء مشروع اليرموك، وممولاً لجميع مراحل الدراسة والتصميم والإنشاء والتشغيل والصيانة، وأن يصل ارتفاع سد الوحدة إلى 100 متر، ليتم تخزين المياه المارة في نهر اليرموك، بعد تأمين المياه لإملاء خزانات السدود السورية المحددة في جدول مرفق بالاتفاقية، ضمّ قائمة من 25 سداً على 5 وديان تصب في سرير النهر هي: الذهب، الزيدي، العرام، العلان، الرقاد.

وتتراوح السعة التخزينية لمعظم السدود السابقة بين ميلون ومليوني متر مكعب باستثناء سدي درعا الشرقي والشيخ مسكين بسعة 15 مليوناً، وسحم الجولان بسعة 20 مليوناً، وكودنة بسعة 30 مليوناً، والمنطرة بسعة 40 مليون متر مكعب.

وأكدت الاتفاقية على أن تحتفظ سوريا بحق التصرف بمياه جميع الينابيع التي تتفجر في أراضيها في حوض اليرموك وروافده باستثناء المياه التي تتفجر ما قبل السد تحت منسوب 250 متراً، وتحتفظ بحق الانتفاع بالمياه التي ترد مجرى النهر وروافده فيما بعد السد لإرواء أراضيها المحاذية لمجرى النهر.

ونصت الاتفاقية على أنه يحق للأردن أن يتصرف بالمياه المنبثقة من الخزان ومركز توليد سد الوحدة لتوليد الطاقة الكهربائية، وأن يتم توزيع الطاقة الكهربائية بنسبة 25% للأردن و75% لسوريا.

وأوضح سمان، في تصريحه لـ”القدس العربي”، أنه لطالما اتهمت الأردن المزارعين السوريين بحفر الآبار غير المرخصة مما أدى إلى تراجع كبير في كميات المياه المتدفقة إلى الجانب الأردني، وتقول عمّان إنه تم حفر أكثر من 10 آلاف بئر؛ نتيجة للفساد والتراخي وعدم التشدد في مراقبة حفر الآبار غير المرخصة في عهد النظام السابق، وإلى جانب تراجع معدلات الهطل المطري، أدى كل ذلك إلى تراجع المياه المتدفقة إلى الأردن.

وتوقع سمان أنه يمكن لسوريا في ظروف الموسم المطري الجيد هذه السنة، أن تمرر كميات أكبر من تلك التي كانت تمررها سابقاً بالتأكيد، ولكن هذه حالة استثنائية ترتبط بالظروف الجوية، والموسم المطري القادم إذا كان جيداً فستتمكن سوريا من تمرير كميات إضافية، لكن إن جاء سيئاً، مثل السنوات الأخيرة، فلن يكون لدى سوريا أصلاً أي كميات من المياه حتى تمررها.

وتابع: “قبل 3 أشهر فقط، كانت جميع السدود السطحية على وادي الرقاد القادم من جبل الشيخ، وهو أهم روافد نهر اليرموك، شبه جافة بما فيها أكبرها “سد المنطرة” إلى الشرق من مدينة القنيطرة، بل حتى بحيرة مزيريب التي ينبع منها نهر اليرموك في درعا، كانت جافة بشكل نهائي، ولا ننسى هنا الإشارة إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي هي بدورها بنت 4 سدود سطحية في الجولان المحتل على روافد تصب في وادي الرقاد وتحبس المياه وتمنع من تدفقها باتجاه نهر اليرموك”.

[ جديد الخبير ]