نمو وتنمية..فلسفة الاقتصاد على الطريقة الواقعية

الخبير السوري ـ د. عامر خربوطلي:
ليس بعيداً عن النظريات والآليات والنماذج في علم الاقتصاد.. فإن النمو الاقتصادي لا يحدث بصورة مفاجئة أو عابرة دون أسس وقواعد راسخة. لأن النمو أساساً هو الذي ينعكس ويؤثر على قيمة الناتج المحلي الإجمالي، المختصر اصطلاحاً ب (GDP) والذي يعبر عن مدى قوة الاقتصاد من ضعفه، والفردي منه يعبر عن متوسط حصة الفرد.

من هذا الناتج وبهذه المصطلحات والأرقام يتم مقارنة الدول وتصنيفها من دول متقدمة وغنية إلى دول متوسطة الدخل إلى ناهضة وأخيراً إلى دول فقيرة وبالتالي متخلفة.
النمو الاقتصادي باختصار شديد يحدث عندما تزداد قدرة اقتصاد بلد ما على إنتاج السلع والخدمات ويقاس عادةً بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وهو لا يتحقق إلا بحدوث مايلي:
-تراكم في رأس المال من خلال زيادة الاستثمار في المصانع والمعدات والبنية التحتية والقطاعات الأخرى مما يرفع الطاقات الإنتاجية الزراعية الصناعية والخدمية.
-تطور التكنولوجيا والابتكار من خلال تحسين أساليب الإنتاج واعتماد تقانات جديدة مثل الأتمتة والذكاء الصنعي تؤدي إلى زيادة الإنتاجية بنفس المدخلات.
-تنمية رأس المال البشري من خلال الاستثمار في التعليم والتدريب والصحة مما يخلق قوة عاملة أكثر كقاءة ومهارة وبالتالي فاعلية.
-زيادة كفاءة استخدام الموارد من خلال تحسين الإدارة وتقليل الهدر وزيادة المنافسة.
-استقرار المؤسسات والسياسات من خلال حماية حقوق الملكية وسيادة القانون واستقرار السياسات النقدية والمالية وتشجيع الاستثمار والادخار وأخيراً التجارة والانفتاح على الأسواق والوصول لأسواق أوسع وبالتالي السماح بالتخصص وتحقيق وفورات الحجم الكبير.
أما الآلية العلمية الدقيقة لحدوث النمو الاقتصادي فأن ذلك يفسرها نظريات ونماذج منها على سبيل المثال:
-نموذج (سولو) أو تراكم رأس المال حيث النمو يحدث عندما يتم ادخار جزء من الدخل وتحويله لاستثمار يُضاف لرأس المال ومع تراكم رأس المال تنخفض الإنتاجية الحدية له (قانون تناقص العوائد) مما يدفع الاقتصاد نحو حالة مستقرة.
وهناك آلية التقدم التكنولوجي حيث أن زيادة الإنتاج تزيد الخبرة مما يحسن العمليات واستثمار الشركات في الابتكار يولد تقنيات جديدة لها خاصية عدم التنافسية وعدم الاستبعاد الجزئي مما يخلق عوائد متزايدة على نطاق الاقتصاد الكلي.
أما آلية رأس المال البشري (نموذج لوكاس) حيث أن إنتاج المعرفة الجديدة عبر تخصيص وقت للتعليم و ينتج مهارات جديدة متراكمة ولا تخضع لتناقص العوائد بل تخلق عوائد متزايدة عبر تفاعل العمالة الماهرة.
أما الآلية المؤسسية والنقدية فينتج النمو من خلالها عبر تحفيز الابتكار والاستثمار عبر ضمان عوائد الاستثمار وتوجيهها نحو الاستثمارات الأكثر إنتاجية عبر آليات التسعير وإدارة المخاطر وتعمل آلية المنافسة على ضغط التكاليف وزيادة الكفاءة وتؤدي لخروج الشركات غير الفعّلة من الأسواق عبر ما يسمى (الدمار الخلّاق).
ما يهمنا من هذا الحديث العلمي الدقيق لآليات حدوث النمو الاقتصادي أنه فعل حقيقي برؤوس أموال حقيقية متراكمة عبر شراء الأصول الثابتة واستثمارها في عمليات مولدة للقيم المضافة دون أن ننسى أثر مضاعف الاستثمار في خلق عوائد أكبر من الاستثمار الأولي وبالتالي زيادة الناتج المحلي وانعكاس ذلك على دخل الفرد وبالنهاية وعلى مستوى معيشته.
في حديث سابق تم الإشارة إلى أن الاقتصاد السوري من المتوقع أن يحقق عام 2026 معدلاً من النمو وفق تقديرات ودراسات أقرب للواقع ما بين 4-6% وفق ما تم الإشارة إليه من محددات وآليات وهي نسبة ستكون الأكبر بتاريخ الاقتصاد السوري لأنها المرة الأولى التي ستتجاوز معدلات النمو السكاني مما سيُحدث الأثر على المعيشة والدخل.

دمشق 22-4-2026

 العيادة الاقتصادية السورية

[ جديد الخبير ]