الحرب ضد إيران ليست سوى الخطوة الأولى في لعبة الشطرنج العالمية التي يديرها ترامب

 الخبير السوري ـ  ترجمة غسان محمد:

ميخا أفني ـ عن القناة 14/

ينظر الكثيرون في إسرائيل إلى التدخل الأمريكي في الحرب ضد إيران، ولا يرون سوى الجانب الأول منها: مساعدة إسرائيل، والإضرار بالبرنامج النووي، وإضعاف الإرهاب، واستعادة الردع. كل هذا صحيح، لكنه ليس سوى جانب واحد من القصة. تُظهر الصورة الأوسع أن واشنطن لا تستهدف طهران فحسب، بل تدير لعبة شطرنج عالمية، إيران فيها مجرد أداة، والخصم الحقيقي هو بكين. إنه صراع على القيادة الغربية، والسيطرة على طرق الطاقة العالمية، وتشكيل النظام العالمي في العقود القادمة.
لفهم هذا، يجب فهم مكانة إيران بالنسبة للصين. بالنسبة لبكين، لم تعد إيران مجرد دولة شرق أوسطية، بل أصبحت رصيدا استراتيجيا. اشترت الصين معظم النفط الإيراني المُصدّر، وساعدت طهران على الصمود في وجه العقوبات. في عام 2025 وحده، اشترت الصين حوالي 1.2 مليون برميل يوميا، أي ما يقارب كامل إنتاج طهران من النفط. وفي الواقع، أصبحت الصين، في ظل العقوبات الدولية، المُشتري الرئيسي للنفط الإيراني.
شملت الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين استثمارات في البنية التحتية والطاقة والترابط الإقليمي. ومن وجهة نظر الصين، وفّرت إيران ثلاثة أصول رئيسية: النفط الرخيص، وموطئ قدم في الخليج العربي، ووسيلة للتأثير على الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بدلا من آسيا.
ومن هنا تأتي الحجة الأساسية. عندما تشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما على إيران، فإنهما لا تدمران تهديدا نوويا وإرهابيا فحسب، بل تضربان أيضا أحد أركان استراتيجية الصين في الشرق الأوسط. لذلك، فإن إضعاف إيران يُضعف النظام الاقتصادي والاستراتيجي الذي بنته بكين بفضل اعتمادها على النفط الإيراني.
وتتعزز هذه المعادلة أكثر عند النظر إلى الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي يُعدّ من أهم الممرات الملاحية الاستراتيجية في العالم. يمر عبر هذا الممر جزء كبير من النفط الذي يُغذي الاقتصاد الصيني. وعندما تُعزز الولايات المتحدة سيطرتها الأمنية في المنطقة وتُضعف إيران، فإنها لا تُغير موازين القوى في الشرق الأوسط فحسب، بل تُعزز أيضا نفوذها الاستراتيجي على الاقتصاد الصيني.
لكن أنشطة ايران لا تقتصر على الشرق الأوسط. فقد بنت طهران على مر السنين شبكة عالمية من النفوذ والنشاط عبر حزب الله وجماعات إرهابية أخرى تابعة له. تمتد هذه الشبكة إلى ما هو أبعد من منطقتنا. ففي أمريكا الجنوبية والوسطى، وخاصة في المناطق الحدودية الرخوة بين البرازيل وباراغواي والأرجنتين، توجد شبكات مُرتبطة بحزب الله، متورطة في غسيل الأموال وتهريب المخدرات وتمويل الإرهاب، وتهريب المهاجرين غير الشرعيين شمالا باتجاه حدود الولايات المتحدة. ومن وجهة نظر واشنطن، التداعيات واضحة. إيران ليست مُجرّد مُشكلة لإسرائيل أو الشرق الأوسط. إنها جهة تُزعزع استقرار أمريكا في محيطها المباشر. وهذا يتعارض بشكل مباشر مع مبدأ أساسي في السياسة الخارجية الأمريكية منذ القرن التاسع عشر، ألا وهو مبدأ مونرو، الذي ينص على أنه لا ينبغي السماح للقوى الأجنبية أو الجهات المعادية بترسيخ وجود قوي لها في نصف الكرة الغربي.
من يظن أن هذه الحرب جولة أخرى ضد طهران فهو يتجاهل جوهر المسألة. يدرك ترامب وفريقه أن المواجهة الحاسمة في القرن الحادي والعشرين هي مع الصين. فإذا أرادت الولايات المتحدة قيادة الغرب، والدفاع عن تايوان، والحفاظ على تفوقها البحري، والبقاء القوة المهيمنة في العالم الحر، فلا يمكنها تحمّل وجود شرق أوسط يقع بشكل متزايد ضمن نطاق النفوذ الصيني. ولذلك، أصبح إبعاد الصين عن الشرق الأوسط هدفا استراتيجيا واضحا.
هناك أيضا هدف أوسع في الاستراتيجية الأمريكية، ألا وهو تفتيت المحور الذي يربط الصين وروسيا وإيران وغيرها من الأطراف الفاعلة. لطالما فضّلت الولايات المتحدة خصوما متفرقين على كتلة موحدة من القوى المتنافسة. ومع ضعف إيران، يضعف أحد أهم الروابط في هذا المحور. هذا النهج يُذكّر بالاستراتيجية التي استخدمها ترامب سابقا في الشرق الأوسط، وهي عدم محاربة كتلة واحدة كبيرة، بل جعل كل طرف يُعيد حساب تكلفة المغامرة.
هذا ينطبق على إسرائيل. فمن وجهة النظر الأمريكية، إسرائيل ليست مُجرّد حليف يحتاج إلى المساعدة، بل هي رصيد استراتيجي فريد. دولة صغيرة لكنها قوية، قادرة على القتال بمفردها، ورائدة في الابتكار التكنولوجي، وتدير عمليات استخباراتية في عمق المنطقة، وقادرة على هزيمة الأنظمة المُعقّدة.
إسرائيل أيضاً ديمقراطية غربية مُستقرة في قلب منطقة مُضطربة، تتمتع باقتصاد مُتقدم وجيش قوي، وقدرة عملياتية لا تمتلكها أي دولة أخرى في الشرق الأوسط. لذلك، في نظر الكثيرين في الولايات المتحدة، إسرائيل ليست مُجرّد شريك، بل هي ركيزة أساسية. إنها القوة الإقليمية القادرة على تحقيق الاستقرار في المنطقة وقيادة نظام إقليمي جديد إلى جانب الولايات المتحدة.
علينا أيضاً أن نفهم الأهمية الأوسع لإيران نفسها. لم تعد إيران مُجرّد دولة في الشرق الأوسط، بل هي دولة يزيد عدد سكانها عن ثمانين مليون نسمة، وتمتلك موارد طاقة هائلة وموقعاً جغرافياً مركزياً يربط الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز. وإذا ما ظهرت في المستقبل قيادة هناك تتجه غرباً، فسيكون ذلك بمثابة زلزال جيوسياسي. فمثل هذه الخطوة من شأنها أن تُزعزع أحد أركان الاستراتيجية الصينية في المنطقة، وتُغيّر موازين القوى العالمية.
لذا، إذا انتهت الحرب بالفعل باستسلام إيران، وإضعاف نظامها أو استبداله، وانتقالها من المعسكر الصيني نحو نظام مُختلف، فقد نشهد لحظة تاريخية، قد تُفضي إلى نظام إقليمي جديد، واتفاقيات سلام إضافية، وممر تجاري يربط الهند عبر الشرق الأوسط بأوروبا. وهنا تكمن النقطة الأهم للقارئ الإسرائيلي. يجب ألا ننهي هذه الحرب بعقلية قديمة، ويجب ألاّ نعود إلى عقلية دولة صغيرة تنتظر من غيرنا تحديد قواعد اللعبة. إذا كانت أمريكا تُعاملنا كحليف مُميز وقوة إقليمية صاعدة، فعلينا أن نبدأ بالتصرف على هذا الأساس، بثقة ورؤية ومبادرة.
مثل هذه اللحظة تتطلب منا شيئًا واحدًا: التوقف عن التصرف كدولة صغيرة تنتظر الإذن، والبدء بالتصرف كما نحن بالفعل: القوة الإقليمية المركزية للغرب في الشرق الأوسط.

[ جديد الخبير ]