الحرب على إيران وأسعار النفط.. المصالح الأمريكية، الرابحون والخاسرون والتغيرات البنيوية لمنظومات الطاقة العالمية

الخبير السوري:

* كتب د. زياد أيوب عربش:


بداية علينا أن نعرف أن النفط ليس فقط وقوداً، بل مكون أساسي لأكثر من نصف مليون منتج في الاقتصاد الحديث، من الأسمدة الزراعية والبلاستيك والأدوية، مروراً بمواد البناء والعزل والدهانات والألياف الاصطناعية، وصولاً إلى قطع غيار السيارات والطائرات والإلكترونيات ومستحضرات التجميل. هذا يعني أن أي ارتفاع في أسعار النفط لا يقتصر أثره على فاتورة البنزين أو التدفئة، بل يمس جوهر الاقتصاد العالمي بأسره، رافعاً تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين لكل سلعة.

وعليه، فإن التعامل مع أسعار النفط هو في جوهره تعامل مع معدل التضخم الأساسي في كل اقتصادات العالم.

*مصلحة أمريكا – بين استدامة الحرب والخروج منها

يمكن القول من منظور تحليلي خالص لمصالح الولايات المتحدة كقوة عظمى وكمنتج رئيسي للطاقة في آن واحد، بان المصلحة الأمريكية لا تكمن في استدامة الحرب إلى ما لا نهاية، ولا في الخروج الفوري منها، بل في الإدارة الدقيقة لتوقيت وشروط الخروج بحيث يتم تعظيم المكاسب الجيواقتصادية وتقليل المخاطر النظامية.
فهي تريد أسعار نفط مرتفعة، لكن ليس مرتفعة جداً و النطاق المستهدف ضمنياً نقدره يتراوح بين 80 و100 دولار للبرميل. هذا النطاق يحقق ثلاث غايات استراتيجية كبرى:
• الأولى: إحياء صناعة النفط الصخري الأمريكي. فمعظم حقول الصخر الزيتي في تكساس وداكوتا الشمالية وغيرها تحتاج سعراً لا يقل عن 65-70 دولاراً للبرميل لتحقيق التعادل، وحوالي 85-90 دولاراً لجذب استثمارات جديدة وتوسيع الحفر. في النطاق المستهدف، تصبح هذه الحقول آلة طباعة نقود تعزز الإيرادات الفيدرالية والأمريكية وتخلق ملايين الوظائف.
• الثانية: جعل نفط فنزويلا مجدياً وجاذباً للاستثمار. ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكن نفطها ثقيل (Extra Heavy) يحتاج استثمارات ضخمة لتخفيفه وتكريره. لعقود، كان سعر النفط المنخفض يجعل هذه الاستثمارات غير مجدية. مع الأسعار المرتفعة، يصبح فجأة أصولاً استراتيجية ويمكن لأمريكا، عبر سياسات ذكية، أن تعيد تأهيلها إما عبر شركاتها النفطية أو عبر ترتيبات مع نظام كاراكاس مقابل تنازلات سياسية.
• الثالثة: ضرب القدرة التنافسية لأوروبا وآسيا. فعندما ترتفع أسعار النفط والغاز، فإن أكبر المتضررين هم المستوردون الصافون للطاقة، وفي مقدمتهم أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية والهند. أمريكا، بكونها منتجاً وصادراً صافياً للطاقة منذ منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة، تستفيد مرتين: مرة من ارتفاع إيرادات صادراتها، ومرة من إضعاف منافسيها الصناعيين الذين يعتمدون على الطاقة المستوردة.

أما بالنسبة لاستدامة الحرب نفسها، فالحسابات الأمريكية دقيقة: استدامة طويلة جداً تخاطر بتصعيد إقليمي شامل (إغلاق مضيق هرمز، ضرب منشآت نفطية خليجية، حرب بالوكالة في عدة جبهات) مما قد يقفز بالأسعار إلى ١٥٠-٢٠٠ دولار، وهذا يضرب الاقتصاد العالمي بما فيه الاقتصاد الأمريكي نفسه. أما الخروج السريع وغير المشروط فيؤدي إلى انهيار الأسعار نحو 50-60 دولاراً، مما يقتل صناعة النفط الصخري الأمريكي ويعيد تموضع القوة لصالح منتجي الخليج وروسيا. لذلك، السيناريو الأكثر ترجيحاً من منظورنا هو خروج أمريكي تدريجي ومشروط، يحافظ على الأسعار في النطاق المستهدف لأشهر أو سنوات قادمة.

*ثانياً: أمريكا وأوروبا وآسيا: الفائز والخاسر الأكبر

تعتبر أوروبا الغربية هي الخاسر الأكبر بلا منازع من هذه المعادلة. لسبب بسيط: كانت لعقود تعتمد على الطاقة الرخيصة القادمة عبر الأنابيب من روسيا (الغاز طبيعي) ومن الخليج (النفط). لكن الحرب على إيران، وما تلاها من عقوبات وإعادة هيكلة لسلاسل التوريد، قطعت هذه الإمدادات الرخيصة أو قلصتها بشدة. فتشاري أوروبا اليوم الغاز المسال من أمريكا وقطر بأسعار أعلى بثلاثة إلى أربعة أضعاف مما كانت تدفعه لروسيا عبر خطوط الأنابيب. والنفط الخام أيضاً يأتيها من مسافات أطول وبتكاليف شحن وتأمين أعلى. النتيجة المباشرة: نزيف الصناعة الأوروبية الثقيلة اي المستهلكة بشراهة للطاقة كمادة أولية وكمادة احتراقية. كمصانع الكيماويات في ألمانيا، ومصانع الألمنيوم في فرنسا، ومصانع الصلب في إيطاليا وإسبانيا، والت اما أغلقت أو خفضت طاقتها أو ستهاجر جزئياً إلى أمريكا والصين حيث الطاقة أرخص نسبياً. ايضا فإن لتضخم المستورد يأكل القدرة الشرائية للمواطن الأوروبي، واليورو يضعف أمام الدولار. لهذا السبب، هناك سعي أوروبي متزايد، وإن كان غير معلن بالكامل، للعودة إلى ضخ الغاز الروسي عبر أوكرانيا أو تركيا أو خطوط جديدة. وبلغ الضرر الأوروبي لحدابات معه استمرار الوضع الحالي يهدد بتفكيك القاعدة الصناعية الأوروبية بشكل قد لا يُعوض لعقود.
بينما تقف روسيا على الجانب الآخر من الطيف، لكن مع مفارقة جوهرية. روسيا تربح كثيراً من أسعار النفط والغاز المرتفعة. كل برميل تصدره، سواء إلى الهند عبر الناقلات أو إلى الصين عبر الأنابيب، يأتي بسعر أعلى من أي وقت مضى منذ عقود (حتى مع الخصم الذي تقدمه لبعض المشترين). وعائدات الطاقة تمول الميزانية الروسية، وتعوض جزءاً من تأثير العقوبات، وتمنح الكرملين هامشاً مناورة جيواقتصادياً واسعاً. لكن المفارقة أن روسيا أيضاً تستورد سلعاً استهلاكية وصناعية كثيرة: الأدوية، الأجهزة الإلكترونية، الآلات الدقيقة، قطع غيار الطائرات والسيارات. و أسعار هذه السلع ارتفعت بشدة لأن النفط يدخل في تركيبها، ولأن العقوبات رفعت تكاليف النقل والتأمين والوساطة المالية. باختصار: روسيا تربح من الباب الكبير (صادرات الطاقة) وتخسر من النافذة الأصغر (استيراد سلع مرتفعة الثمن)، لكن صافي المكسب يبقى إيجابياً وبوضوح. وإذا أضفنا إلى ذلك أن الاتحاد الأوروبي، على الرغم من كل الخطاب السياسي، بدأ عملياً بالعودة إلى شراء الغاز الروسي المسال وحتى عبر خطوط أنابيب لا تزال تعمل، فإن الصورة النهائية تظهر روسيا كفاعل طاقوي لا يمكن تجاوزه ولا يمكن الاستغناء عنه في المدى المنظور.

أما الصين في الحالة الأكثر تعقيداً وإثارة للاهتمام، حيث تتحمل الصين أسعار نفط مرتفعة نسبياً، لكنها تتحملها بمرونة وكفاءة تتفوق بها على معظم منافسيها الصناعيين. لماذا؟ لأن الاقتصاد الصيني يتمتع بكفاءة طاقوية عالية (ناتج محلي لكل وحدة طاقة أقل من معظم الدول النامية)، ولأن الصين تسيطر على سلاسل التوريد العالمية للصناعات التحويلية كثيفة الاستهلاك للطاقة. خذ مثالاً واحداً: السيارات الكهربائية. فالصين هي أكبر منتج ومصدر للسيارات الكهربائية في العالم. وأسعار النفط المرتفعة تزيد الطلب على السيارات الكهربائية، مما يفيد الصناعة الصينية مباشرة.
مثال آخر: صناعة الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات، حيث تنتج الصين أكثر من 80% من الألواح الشمسية العالمية، وأكثر من 70% من البطاريات. أي تشهد اليوم نهضة في الطاقات المتجددة والتي تسرّعها أسعار النفط المرتفعة تسرعها اي تعني طلباً هائلاً على المنتجات الصينية. فبمقارنة تنافسية مع ألمانيا مثلاً: نجد أن تكلفة الكهرباء للصناعة في الصين أقل بنسبة 40-60% مما هي عليه في ألمانيا. هذا الفارق يجعل الصين قادرة على المنافسة بقوة في كل الصناعات كثيفة الطاقة: الكيماويات، الألمنيوم، الزجاج، الإسمنت، الصناعات المعدنية. باختصار، الصين تتألم من ارتفاع أسعار النفط، لكنها تتألم أقل من غيرها، وتستفيد من الفرص الجديدة التي يخلقها هذا الارتفاع.

*ثالثاً: نهضة استثمارية في الصناعة النفطية والعالمية

هناك جانب آخر لا يقل أهمية، وغالباً ما يغيب عن النقاشات العامة: أسعار النفط المرتفعة تخلق نهضة استثمارية (Relance) في قطاع الطاقة العالمي بأسره. مشاريع كانت مجمدة أو غير مجدية اقتصادياً تعود إلى الواجهة، وتتدفق رؤوس الأموال نحو استكشاف حقول جديدة، وتطوير حقول قائمة، وبناء مصافٍ وخطوط أنابيب ومرافق تخزين وتصدير.
لنأخذ مثالاً رقمياً واضحاً: أنبوب نفطي بطول 100 ألف كيلومتر كان يكلف قبل موجات التضخم الأخيرة حوالي 100 مليون دولار. اليوم، مع ارتفاع أسعار الصلب والطاقة والعمالة والتأمين، قد يكلف المشروع نفسه حوالي 200 مليون دولار (أي الضعف). لكن في المقابل، سعر برميل النفط الذي ينقل عبر هذا الأنبوب ارتفع من 50-60 دولاراً قبل بضعة أشهر إلى 90-120 دولاراً اليوم. العوائد المتوقعة من تشغيل الأنبوب أصبحت أعلى بكثير من التكاليف، حتى بعد تضاعفها. يتطبق المنطق نفسه على بناء مصفاة متوسطة الحجم حيث كانت تكلّف حوالي ملياري دولار، واليوم قد تكلف أربعة مليارات، لكن فارق السعر بين الخام والمشتقات (التكرير هامش) أصبح أكبر بكثير، مما يجعل الاستثمار مربحاً على المدى المتوسط والطويل.

هذه النهضة لا تقتصر على النفط الخام والغاز الطبيعي. بل تمتد لصناعة الفحم الحجري التي تعود إلى الواجهة بقوة، خصوصاً في الهند والصين اللتين تمتلكان معاً حوالي 40% من الاحتياطي العالمي من الفحم. فمع ارتفاع أسعار النفط والغاز، تصبح محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم أكثر قدرة على المنافسة اقتصادياً، وتصبح عمليات استخراج الفحم الجديدة مجدية حتى في مناطق لم تكن كذلك من قبل. وهذا، رغم آثاره البيئية الوخيمة، واقع يجب دراسته ببراغماتية.

كما تشهد مصادر الطاقة البديلة وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، طفرة استثمارية غير مسبوقة. أسعار النفط المرتفعة تجعل كل كيلوواط/ساعة منتج من الشمس أو الرياح أو الماء أكثر قدرة على المنافسة.
فمعاملات *الإحلال والإبدال* (Substitution) بين النفط والغاز من جهة، والكهرباء المتجددة من جهة أخرى، تتسارع بشكل لم يسبق له مثيل. وهذا يخلق فرصاً هائلة للدول والشركات التي تمتلك التقنيات والموارد اللازمة للاستثمار في هذا المجال.

بالتحليل الاخير فان أسعار النفط المرتفعة هي سلاح ذو حدين: تؤذي المستهلكين والاقتصادات المستوردة، لكنها تخلق موجة هائلة من الاستثمارات الجديدة في كل قطاعات الطاقة: النفط، الغاز، الفحم، والمتجددة.
وأمريكا، من خلال إدارة توقيت الخروج من الحرب على إيران، تحاول الإبقاء على الأسعار في نطاق يخدم مصالحها الاستراتيجية: مرتفعة بما يكفي لإحياء صناعتها النفطية وضرب منافسيها، لكن ليست مرتفعة جداً فتهدم الاقتصاد العالمي الذي هي جزء منه.
وبرأينا وكما شهدناه منذ عقود: النجاح أو الفشل في هذه الإدارة الدقيقة هو ما سيحدد ملامح نظام الطاقة العالمي للعقد القادم، رغم اننا نعيش فصلاً من إعادة تشكيل نظام عالمي جديد كما قبيل وبعد ضرب أفغانستان وغزو العراق (٢٠٠١، ٢٠٠٣). فبينما كانت امريكا تطور الهامر كانت الصين تنظم أفضل الالعاب الأولمبية…
وهالمشهد يتكرر بشباط فبراير المنفرط: فبينما امريكا كانت تستعد لشن اقوى ضربات عسكرية، كان المستشار الالماني مبهوراً من العرض “الأكروباتي” لدُمى الAI صينية الصنع وعالمية الرسالة!

 * أكاديمي (اقتصاديات الابتكار) خبير في شؤون الطاقة

[ جديد الخبير ]