في علم الفيزياء حين تتعرض الأجسام لتأثير خارجي, تتكثف جزيئاتها دفاعاً, وحين يستطيع هذا التأثير أن يفعل فعله, نكون أمام حالة فيزيائية جديدة تختلف كثيرا عن الحالة الأولى، وهنا يكمن سؤالا في العمق حول إما إمكانية ترميم الموجود, أم نأتي بجسم جديد ؟. للإجابة عن هذا السؤال الاستراتيجي، لا بد من التعمق بالبدائل وأكلافها الوطنية (النفسية – التربوية – المعنوي – المادية..الخ)، من حيث مدى توفرها بالبلد, وقدرة تصنيعها أو تأهيلها، أو قدرة استيرادها, والزمن المطلوب لذلك، وهل تتلاءم أفقيا مع المنظومة الوطنية.
هنا لعل الإدارة الناجحة والحكيمة لديها خيارات ديناميكية (مرنة) تساعدها على النجاح بذلك, لان نسبة النجاح الإداري بالانجازات يتناسب طردا مع كثافة وقوة الخيارات التي تسيطر عليها تلك الإدارة. وفي ضوء هدا الطرح يرى الخبير الإداري والاقتصادي سامر الحلاق أنه وبالنظر إلى الجغرافية السورية, نجد حد ادني من القوة لكل قطاع اقتصادي, ولكن من الصعب – حسب الواقع منذ أكثر من 30 سنة– أن نرى قطاعا تجاوز المفردات الصغيرة, لذا أصبح مشهدنا الاقتصادي محكوما بأزمة عدم القدرة على التطور الفعلي .
نملك ولا نملك..!؟
فمثلا في قطاع السياحة والآثار, لدينا عوامل الحد الأدنى للنجاح (مناطق اصطياف– أوابد تاريخية كثيفة– تنوع مناخات– نتوسط العالم المصدر للسائحين)، ولكن ليس لدينا صناعة سياحية بالمطلق, مقارنة مع دول لا تملك ما نملك إلا النذر اليسير, بل هي من دول العالم الثالث, وقد سبقتنا بشكل منقطع النظير في قطاع السياحة، كماليزيا وتركيا وتونس ومالطة ..الخ . كما نرى دول ليس لديها الإنتاج الزراعي المميز مقارنة بمنتجنا الخام, ولكن نراها بالنسيج والملبوسات وغيرها تتفوق علينا بأشواط مخيفة، كإنكلترا وايطاليا مثلا. وفي قطاع التعليم بجميع مراحله نسأل: لماذا لدينا مفردات كثيرة لهذا القطاع وليس هناك مخرجات نوعية تتناسب مع الاهتمام والمبالغ الكبيرة التي ترصدها الدولة في هذا المجال..؟. ما سبق ينطبق أيضا على المواصلات والطرق والموقع الجغرافي وغيره من الميزات. والسؤال الذي يفرض نفسه, لماذا الفشل الكبير في المخرجات العالية, بينما نحن نملك مفردات لمدخلات عالية الميزات !.
الاعتراف أولا
هنا يأتي دور الإدارة والعامل الإنساني معا، وبحسب الحلاق لا نجاح بدون إدارة حكيمة وخبيرة, كما أن النجاح نتاج لروح إنسانية لديها إصرار للوصول إلى القمة الموصوفة، وبالتالي أي انطلاق لإصلاح إداري للاقتصاد، يوجب علينا أولا الاعتراف بأن لدينا مفردات ومدخلات اقتصادية ذات قيمة عالية, ولكن ليس لدينا اقتصاد عالي القيمة. ولدينا كوادر تعمل في كل القطاعات, ولكن ليس لدينا إدارة اقتصادية ناجحة, بسبب عدم التناغم الأفقي والعمودي ضمن الشبكة الاقتصادية المتكاملة إضافة إلى عدم وجود حافز أخلاقي ونفسي عند كوادر الاقتصاد لجهة البذل والمبادرة والانطلاق لأن لسان حال كل واحد يقول: “أريد حماية ذاتي”. كما أنه لا يوجد ضمانة ثابتة تجعل المسيء يدفع ثمن إساءته وبالتالي فإن العلاج لهذه الآفات الاقتصادية, فلا بد له أن ينطلق من الإنسان/الاقتصاد، ويعود إليه.
إشكالية..ماذا لو..؟
الآن نأتي للسؤال الإشكالية، ماذا لو كانت الإدارة للاقتصاد السوري ليست حكومية, بل من القطاع الخاص، وتم الاكتفاء بالموجه الدستوري الأعلى كمحدد لكيفية وجود الإدارة، وهنا يرى الحلاق أن الأجوبة واضحة، فمثلا الكثير من شركات العالم, تتمنى أن تدير قطاعا مثل قطاع الموانئ السورية، لأن أرباحها مضمونة احتكاريا, والنتيجة زيادة الإيرادات للخزينة الوطنية، إضافة اكتساب الخبرة للإدارة السورية لتنطلق لاحقا. كما نلاحظ أن قطاعا صغيرا جدا ضمن القطاع الزراعي ـ هو قطاع الحمضيات ـ يشهد خسارة في معظم مواسمه، علماً أن حمضياتنا نظيفة ونمتلك قدرة احتكارية على تصنيعها وتصديرها، مبينا أنه لو كان هذا النوع موجود في اليابان بكميات 20 مليون طن , لكانت الصفقات تسبق تصنيعه, أي الطلب المسبق للتصنيع، بينما نعجز نجن عن إدارة واستثمار مليون طن..!.
وكذلك السياحة, فماليزيا مثلا ليس لديها إلا 11% من المجموع التثقيلي للمفردات السياحية مقارنة مع المفردات السورية, ومع ذلك نرى ماليزيا تحصل على 27 ضعفا من إيرادنا السياحي المشابه، فالفارق التراكمي الإداري هو (27×100÷11 = 245 ضعف تثقيلي)، أي أن الـ245 ضعف هو الفارق بين الإدارة الناجحة والإدارة الفاشلة. وإن جئنا لقطاع التصنيع التقليدي الحرفي, ورغم ما تتمتع به مهننا وحرفنا التقليدية من احتكارية وتراكم تاريخي من الخبرات والمهارات والإبداع, والتي ليس من منافس احتكاري لها, نجد أن الترهل ينتابها ويهدد باندثارها. فالأفكار لا تتوقف عند القطاعات المذكورة أعلاه، بل هي تشمل جميع قطاعات الشبكة الاقتصادية المتكاملة.
مرجع.. ومنطق..
في ضوء ما سبق يرى الحلاق أن مرجع أعلى دستوري, له صفة التشريع الاقتصادي, يترك التنفيذ الإداري لذوي الخبرة المجربة عبر الزمن، هو بداية إصلاحية كبرى لا بد منها على صعيد الاقتصاد الوطني، موضحا أن التشريع المستهدف هو ذلك التشريع الذي يجب أن يرسم ثوابت معيارية، وبالمقابل يترك للعقل المنفذ الإبداع الإداري في خبراته المتراكمة والمتبادلة دون موانع, تحت سقف المعيارية الثابتة. وعليه فإن الانطلاق في الإصلاح الإداري يجب أن يأخذ بعين الاعتبار, أن الذين ساهموا بالإخفاق والتدمير الممنهج اقتصاديا, لا مكان لهم بالمطلق في هذا الإصلاح, خشية بث السموم بالتشريعات من جديد , كما كان يحصل, أي تشريع جميل شكليا ولكنه مشلول عمليا. لذلك فالمنطق في الحالة السورية يقول: من يُصلح للتدمير لا يُصلح للتعمير, ومن هنا تكون البداية، لأن استهلاك الزمن دون تطور, هو الدمار بعينه, فالسرعة واجبة لسباق الزمن.
مراهنة..
وبالعودة إلى منطق تخصيص الإدارة الاقتصادية، يرى الحلاق أن أي قطاع, تستلمه إدارة خاصة وفقا للمعايير الناجحة, سيحقق قفزة نوعية بامتياز من حيث التشغيل والإيرادات, ويخفف عبئا كبيرا على الخزينة الوطنية نحن في غنى عنه. وهذا كله يستلزم وجود مجلس اقتصادي اجتماعي, يضع المؤشرات والخطوط، ويتم تشكيله دستوريا، وهناك أمثلة ناجحة على مثل ذلك يمكن الاسترشاد بها، حيث أعطى نجاحات باهرة في الجغرافية الفرانكفونية, ومنها فرنسا ولبنان.
جيل إداري ناجح
إن تخصيص الإدارة يسمح بتأهيل جيل إداري ناجح, عوضا عن الفاشل, وينحِّي جانبا الإدارة المهترئة, وبعد سنوات معدودة – أقل من 5 سنوات – تكون النتائج: انفصال تام للذهنية الإدارية القديمة عن القرار الإداري التنفيذي, إضافة لغياب تأثير الإدارة القديمة كأشخاص على الإدارة الجديدة (انعدام صرف النفوذ الإداري)، وعلى التوازي يسمح لانطلاق اقتصادي بإدارة نظيفة من السموم واللامبالاة، وعندها سينظر العالم كله إلى التجربة السورية كمرجع إرشادي له, عوضا عن التجربة الدانمركية والألمانية واليابانية والماليزية..الخ . بالمحصلة إن وجود إدارة خاصة نظيفة، يعطي خيارا وطنيا واقتصاديا ناجحا.
قسيم دحدل – البعث