خبير اقتصادي سوري يواجه الإجراءات المتسرّعة الأردنية تجاه سوريا برؤية تصالحية يربح فيها الجميع

الخبير السوري ـ نهى علي:
قد لايكون ثمة خيارات أمام الحكومة السورية سوى اعتماد نهج واضح، يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل مع الجانب الأردني، فيما يخص التبادل التجاري وحركة عبور المنتجات والسلع بين البلدين، لإعادة التوازن لعمليات التبادل والتجاري وسلاسة تدفق السلع المتبادل.
فالجانب الأردني كان بالغ الجرأة في فرض رسوم على البضائع والمنتجات السورية على المعابر والحدود المشتركة.  في الوقت الذي تغرق فيه الأسواق السورية بالمنتجات الأردنية دون رسوم تذكر، أوكما يقال هي بمثابة و”كالة من دون بواب”.

*تجارب مُحبطة

 

منذ سنوات تتكرر حوادث مكوث الشاحنات السورية المحملة بالخضار والفواكه القابلة للتلف، أمام معبر نصيب وتعثر عبورها إلى الجانب الأردني “جابر”   لأيام وأيام، إجراءات تعسفية فرضت على أصحاب الشاحنات السورية إما العودة بعد أن تعرضت الحمولة للتلف جراء الانتظار.. وبالتالي تراكمت خسائر مضاعفة للمنتج المحلي بمختلف مراحله وحلقاته..

*في عهدة الحكومة السورية

 

اليوم يجزم خبراء بأنه حري بالحكومة السورية أن تتجه نحو إجراء يعدل كفة الميزان مع الجانب الأردني وسواه، ويسهم بحماية المنتج الوطني الذي تراجع  ليحل محله حتى في أسواقنا وفي بيوتنا، منتج دخيل مستورد  فيربح المستورد على حساب المنتج المحلي سواء الزراعي أو الصناعي.. لماذا لاتطبق المعاملة بالمثل لجهة الرسوم الجمركية ؟

*الشعرة التي قصمت !

 

مؤخراً ترك قرار الحكومة الأردنية برفع الرسوم الجمركية المفروضة على المستوردات السورية التي وصلت إلى 100% خاصة على الألبسة والمواد الغذائية، أثراً ضاراً بمصلحة المنتج السوري “الاقتصاد في المحصلة”.. سيظهر على شكل زيادة في تشوهات الميزان التجاري بين البلدين ” الكفة راجحة أساساً لصالح الجانب الأردني بأكثر من 90 بالمئة”.
لذا من الطبيعي أن ترتفع أصوات التجار والصناعيين السوريين المطالبين بالمعاملة بالمثل.

*لا مفرّ من النهج التشاركي

 

لا يقف الدكتور زياد عربش ـ وهو مستشار وأستاذ الأقتصاد في جامعة دمشق، عند الشكل الخارجي للموقف بين سوريا والأردن.. فبرأيه يسري المشهد في الإقليم ككل مع تحولات جوهرية وفي كافة المجالات من المكون التجاري إلى الاقتصاد ككل، مروراً بمسائل الطاقة والنقل والأمن الغذائي وطرق الإمداد وسلاسل التوريد.
وبالتالي فلا يمكن تحليل لعلاقات السورية الأردنية من منظور ضيق كما هي الحال الآن، أو ببيروقراطية وإجراءات تقّزم من إمكانات توسيعها ليس فقط تجارياً بل اقتصادياً، حيث الفرص الكامنة وتلك البازغة الآن ومستقبلاً تفرض استغلالها وباستدامة.

ويرى د. عربش في حديثه مع “الخبير السوري”، أن الزلزال الذي نعيشه (الحروب في الإقليم) يفترض اتباع النهج التشاركي والتعاوني، ليس فقط بين البلدين، بل مع كافة دول الجوار العربي. فبدلاً من أن تكون الحدود السورية ـ الأردنية جسراً للازدهار المشترك، تحولت إلى ساحة لخلل تجاري فادح، تتعثر فيه الصادرات السورية بينما تنفتح الأسواق السورية على مصراعيها أمام المنتجات الأردنية.
هذا التناقض يستدعي ـ برأي المستشار الاقتصادي ـ وقفة جادة لإعادة تعريف العلاقة الاقتصادية بين البلدين، بعيداً عن الإجراءات العقابية أو النظرة المجتزأة التي تغفل المصالح الوطنية لكلا البلدين.

*معبر نصيب نموذجاً للمعاناة السورية

 

لا يزال التاجر والمزارع السوري يستذكران بمرارة مشاهد الشاحنات المحملة بالخضار والفواكه والمنتجات الصناعية السورية، وهي تزحم الطرقات المؤدية إلى معبر نصيب (جابر) الحدودي.

ويلفت د. عربش إلى أن هذه الشاحنات تنتظر لأيام، بل و لأسابيع أحياناً، جراء فرض الجانب الأردني رسوماً إضافية غير معلنة، وشروطاً صحية وفنية مشددة لا تُطبق على بضائع دول أخرى، وإجراءات تفتيش معقدة تستنزف الوقت.. لم يكن أمام أصحاب الشاحنات بعد هذا المكوث الطويل سوى خيارين: إما دفع رسوم باهظة لتسريع العبور، أو العودة إلى داخل الأراضي السورية بعد أن تكون حمولاتهم كالزراعية منها قد تلفت نتيجة الانتظار تحت الشمس دون تبريد مناسب.
هكذا تراكمت الخسائر مضاعفة: خسر المزارع محصوله، وخسر المصنع فرصة تصدير بضاعته، وخسر الناقل تكاليف النقل والرسوم، ما أدى إلى تدمير سلسلة الإنتاج المحلي من حلقاتها الأولى.. هذه المعاناة لم تكن استثناءً، بل كانت منهجاً متبعاً خاصة مع مسألة تبديل الشاحنات (ومن الاجراءات ماهو مبرر أمنيا بالطبع) أدى إلى إضعاف القدرة التنافسية للصادرات السورية، ودفع العديد من المستثمرين والمزارعين إلى التخلي عن الأسواق التصديرية.

*خلل واضح

 

يشير د. عربش إلى تباين صارخ في معادلة العلاقة مع الجار الأردني.. فبمقابل الإجراءات الأردنية.. تغرق الأسواق السورية بالمنتج الأردني، حيث نجد أن البضائع والمنتجات الأردنية تدخل إلى الأسواق السورية بسلاسة مذهلة، وبرسوم جمركية متدنية لا تشكل أي عائق يذكر، وكما يوصف بدقة: “الأسواق السورية أصبحت بمثابة وكالة أردنية دون بواب”.
فمن المواد الغذائية والألبان والأدوية، إلى المنظفات ومواد البناء والملابس، كل شيء أردني متاح وبأسعار منافسة جداً، وغالباً ما يكون مدعوماً من قبل الحكومة الأردنية، مما يمنحه ميزة سعرية لا يمكن للمنتج المحلي السوري مجاراتها.. بالتالي فالنتيجة كانت كارثية على المنتج الوطني: تراجع حاد في الإنتاج الزراعي والصناعي السوري، حيث حل المنتج الأردني محل المنتج المحلي واختفى عدد من أنواع الخضار والفواكه السورية الموسمية، وتوقفت خطوط إنتاج كاملة في المصانع.

من ربح؟ المستورد الأردني وتاجر الجملة السوري المستورد.. ومن خسر؟ المزارع السوري، والعامل في المصنع المحلي، والاقتصاد الوطني الذي يفقد استقلاليته.

*غياب المعاملة بالمثل… السؤال المحير

 

يسترسل د. عربش في سرده لتناقضات المشهد ويتساءل السؤال المشروع الذي يطرحه الجميع اليوم وهو: لماذا لا تطبق سوريا مبدأ المعاملة بالمثل على البضائع الأردنية؟
لماذا لا تفرض رسوماً جمركية مكافئة.. أو إجراءات فنية وصحية مماثلة، أو حتى حصصاً استيرادية محددة لتصحيح هذا الخلل؟
أليس من حق المنتج السوري أن يحظى بنفس المستوى من الحماية التي يوفرها الأردن لمنتجه؟

*توازن لم يُنجز بعد

 

يُرجع الدكتور زياد عربش مايمكن تصنيفه بأنه تقاعس إلى ظروف سياسية واقتصادية معقدة تمر بها سورية: ضغوط إعادة الإعمار، الحاجة إلى قنوات تمويل مفتوحة، ورغبة في الحفاظ على علاقات إقليمية مستقرة.
لكن هذه التفسيرات لا تبرر الاستمرار في سياسة تؤدي إلى تفكيك القدرة الإنتاجية الوطنية.
فالمعاملة بالمثل ليست عقاباً، بل هي حق أصيل لأي دولة تسعى لحماية أمنها الغذائي والصناعي. مع ذلك ولندع كل اعلاه جانباً ببديل تشاركي.

* رؤية استراتيجية: من المطالب الفورية إلى التكامل الإقليمي (رابح-رابح)

 

بدلاً من الانشغال فقط بردود الفعل أو الإجراءات الدفاعية الضيقة، يرى د. عربش أنه يجب أن نرفع أعيننا إلى الأفق الاستراتيجي.. فما الذي يمنع من إقامة منطقة اقتصادية صناعية جديدة على الحدود السورية الأردنية، أو إعادة وتوسيع المناطق القائمة؟
أو إقامة منطقة حرة مشتركة، تُقام فيها مصانع تصديرية بمواد خام من البلدين، وبتسهيلات جمركية متبادلة، وتكون بوابة لأسواق الطرف الثالث ؟.

بل أبعد من ذلك: لماذا لا تتم إعادة تأهيل خط النفط السعودي عبر الأردن وسورية باتجاه البحر المتوسط؟ هذا الخط، الذي كان استراتيجياً لكلا البلدين السعودية وسورية (واذا تم انشاء مصفاة عربية فيمكن مد أسواق لبنان والأردن وسورية بمشتقات الطاقة) أي يمكن أن يعود ليكون شرياناً للطاقة يغذي الاقتصادات الثلاثة، ويمنح سورية والأردن رسوماً عبوراً مجزية، ويؤمن للسعودية مخرجاً بحرياً بديلاً. أي دوما علينا التفكير استراتيجياً بمنطق “رابح-رابح”، حيث تكسب سورية والأردن وجميع دول الجوار العربي من التعاون أكثر مما تكسبه من التناحر.

ولتحقيق هذا التحول، يفترض مزاوجة الإجراءات الفورية مع مشاريع هيكلية للتكامل:
• إعادة التفاوض الشامل على الاتفاقيات الثنائية بحيث يرتبط أي تخفيض جمركي أو تسهيل للصادرات الأردنية بمعاملة مماثلة فورية للصادرات السورية.
• تطبيق رسوم جمركية معتدلة على المنتجات الأردنية التي لها بديل محلي.
• تفعيل دور هيئة المواصفات والمقاييس وتطبيق شروط فنية وصحية مكافئة تماماً لما يطبقه الأردن على البضائع القادمة إليه.
والاهم من ذلك اتباع آلية سريعة لفض المنازعات التجارية، كلجنة سورية أردنية دائمة تحل أي شكوى حول عوائق غير جمركية خلال أيام، مع تعويض المتضررين.

بالمقابل لابد من صياغة المشاريع الهيكلية للتكامل (لتحقيق القفزة النوعية)
• إقامة منطقة اقتصادية صناعية مشتركة على الحدود (نصيب-جابر) و ببنية تحتية متكاملة، وحوافز ضريبية مشتركة، وإدارة ثنائية. بحيث تستهدف الصناعات التصديرية التي تستفيد من المواد الأولية السورية (الزراعية، النسيج، الكيماويات) والرأس المال والتكنولوجيا الأردنية، وتصدر إلى الأسواق العربية والإقليمية.
• إعادة تفعيل وتوسيع خط النفط السعودي وذلك بالعمل مع السعودية والأردن على دراسة جدوى تشغيل خط الأنابيب الرابط بين حقول النفط السعودية وميناء بانياس او غيره (واعادة تفريعة طرابلس) على المتوسط. هذا المشروع يعود على سورية والأردن بإيرادات عبور ضخمة، ويؤمن للسعودية ممراً تصديرياً أقصر وأكثر أماناً، ويعزز الترابط الإقليمي.
• إنشاء مجلس اقتصادي أعلى سوري-أردني-سعودي لمتابعة هذه المشاريع وحل النزاعات بشكل مؤسسي، بدلاً من الإجراءات البيروقراطية التقزيمية.

بالتحليل الأخير لابد من الانتقال من منظور ضيق إلى شراكة إقليمية عادلة، كون استمرار الوضع الحالي هو بمثابة تفكيك ممنهج للقدرات الانتاجية وعدم استغلال الفرص، بإطلاق مشاريع كبرى وبرؤية “رابح-رابح” كإستراتيجية دائمة، لبناء علاقات إقليمية قائمة على المصالح المتوازنة والمنفعة المتبادلة.

[ جديد الخبير ]