الحرب على إيران…. قنبلة في قلب الاقتصاد العالمي

الخبير السوري ـ سمر سامي السمارة:

في الاقتصاد العالمي المعاصر، لم تعد الأزمات الجيوسياسية أحداثاً معزولة عن حركة الأسواق، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في تشكيل مسار النمو والتجارة والاستثمار.
وبحسب المحللين الاقتصاديين، فإن الصدمات النفطية الناتجة عن النزاعات في الشرق الأوسط دفعت الاقتصاد العالمي نحو فترات تباطؤ حاد، واليوم يأتي هذا التوتر مع تصاعد الحرب على إيران التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة، في لحظة حساسة يواجه فيها الاقتصاد الدولي تحديات متعددة، مثل التضخم المرتفع في بعض الاقتصاد الكبرى وارتفاع أسعار الفائدة.

وتجدر الإشارة إلى أنها المرة الأولى منذ العام 2022، التي تصل فيها أسعار النفط إلى 120 دولاراً أمريكياً في آسيا، كما قفز سعر النفط بنسبة 30% كاملة في يوم واحد، وهو أمر لم يحدث منذ عقود، وبحسب شبكة “سي إن بي سي” نتيجة لذلك، انخفض مؤشر بورصة كوريا الجنوبية بنسبة 8%، وتوقف التداول للمرة الثانية في أربع جلسات.
على الرغم من معرفة الولايات المتحدة وإسرائيل أن الهجوم على إيران، سيتسبب بإغلاق مضيق هرمز، وتوقف منشآت إنتاج النفط والغاز عن العمل أو ستتعرض لخطر أضرار جسيمة، إلا أنهم لم يأخذوا هذه الحسابات بعين الاعتبار.
و بحسب وزير الخارجية الأمريكية، ماركو روبيو، جرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، الولايات المتحدة إلى هذه الحرب، على الرغم من معرفة النتائج، كما يستمر ترامب بتزّويد إسرائيل بالنفط المسروق من فنزويلا، مع أن سعره مرشح للارتفاع بشكل حاد.

عدوى بالترابط

على الرغم من الحديث المتزايد عن تجزؤ سوق النفط العالمي بفعل العقوبات والصراعات الجيوسياسية، فإن الواقع يشير إلى أن هذا السوق ما يزال شديد الترابط والتكامل، فالنفط سلعة عالمية تتحرك ضمن شبكة تجارة واسعة، فأي اضطراب في الإمدادات في منطقة ما، ينعكس بسرعة على الأسعار في بقية الأسواق.

ففي حال انخفض العرض، ترتفع الأسعار دولياً، بغض النظر عما إذا كانت الدولة تُنتج نفطها الخاص، لأن السعر يُحدد بناءً على الطلب العالمي، وليس المحلي، لذا، وصلت العقود الآجلة لبرميل خام برنت إلى 119.04 دولاراً، وبلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط 118.46 دولاراً وهما يتحركان في المسار نفسه تقريباً.

تشظيات

في السياق، انخفضت أسواق الأسهم في آسيا بشكل حاد مؤخراً، وبدا أن مؤشر داو جونز في الولايات المتحدة مُهيأ لتسجيل انخفاض حاد آخر يصل إلى ألف نقطة.
في الواقع، يعود هذا الأمر إلى أن 20% من نفط العالم يُصدّر إلى السوق عبر مضيق هرمز الذي تم إغلاقه مؤخراً، فضلاً عن أن الغاز الطبيعي المسال المُعبأ في سفن الحاويات يُشكل نحو 50% من تجارة الغاز الأحفوري عبر الحدود، ويأتي خُمس هذا الغاز من قطر والإمارات العربية المتحدة عبر المضيق نفسه.

استنفار القوة القاهرة

أعلنت قطر حالة القوة القاهرة، وأوقفت إنتاج الغاز الطبيعي لعدم وجود أماكن لتخزينه، ولعدم إمكانية تصديره، فقطر تدرك أن أي جهة تملك طائرات مسيّرة وترغب في منع الصادرات عبر مضيق هرمز، ما يجعل استهداف ناقلة غاز أمراً سهلاً وفعالاً للغاية، لدرجة أنه سيُحدث انفجاراً هائلاً.
كذلك، خفضت الكويت والإمارات العربية المتحدة إنتاجهما النفطي بشكل كبير، بسبب نقص سعة التخزين، لأنه إذا لم يكن بالإمكان تصديره عبر ناقلات النفط العملاقة، فأين سيتم تخزينه؟

تشاؤم وتشتت

مع ذلك، يتوقع ترامب انخفاض أسعار النفط بعد انتهاء الحرب، متناسياً أن ذلك يعتمد على موعد انتهاءها، وحجم الأضرار التي ستلحق بالدول خلال هذه الفترة، خاصة أن إدارة ترامب بحسب موقع “أكسويس” تدرس خيارات تشمل السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، المسؤولة عن تصدير 90% من نفط إيران، والتي تعد بمثابة الرئة للاقتصاد الإيراني، حيث يرى محللون، أنها ستتعرض للتخريب إذا حاول الجيش الأمريكي القيام بذلك، تماماً كما تعرض إنتاج النفط العراقي للتخريب مراراً خلال الاحتلال الأمريكي في العقد الأول من هذا القرن.

بؤر التهاب

تشير المعطيات على أرض الواقع، إلى أن تعرض منشآت النفط للقصف- كما حدث مؤخراً- يعني أن السيطرة على هذه الحرائق قد يستغرق عقداً من الزمن، وقد شهدنا ذلك في الكويت بعد حرب الخليج. لذا، قد لا يقتصر الأمر على وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح صنابير النفط.
علاوة على ذلك، إذا انزلق الاقتصاد العالمي في حالة من الركود، فإن التعافي منه لن يقتصر على مجرد إنهاء الحرب، فبمجرد تراجع ثقة السوق، يحتاج الأمر إلى وقت أطول لاستعادتها، كما أن وجود حالات إفلاس ونقص في الاستثمار سيؤدي إلى تضرر الأدوات الأساسية لاستعادة الثقة.

فعندما يفقد سوق النفط العالمي 20% من إمداداته، لا يرتفع السعر بنسبة 20% فقط، بل يرتفع بنسبة أكبر بكثير، والارتفاع الحاد الذي شهده يوم الاثنين الماضي بنسبة 30% ليس سوى البداية.

ضرورة ماسة

على الرغم من توفر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الرخيصة والموثوقة، لا تزال العديد من الدول تعتمد بشكل كبير على الغاز الأحفوري لتوليد الكهرباء، وبحسب محللون اقتصاديون فإن باكستان والهند وبنغلاديش وبعض الدول الآسيوية الأخرى لن تتمكن من تشغيل مصانعها بدونه، مع أن الهند قد تتحول تدريجياً إلى مصادر الطاقة المتجددة أو إلى استخدام المزيد من الفحم لكن مثل هذه التحولات لا يمكن إجراؤها بسرعة. إضافةً إلى ذلك، قد لا يتوفر لدى هذه الدول البنزين والديزل اللازمين لنقل البضائع بعد إنتاجها، أو قد تكون تكلفة النقل باهظة لدرجة ترفع أسعارها بشكل ملحوظ.

بدائل

تنتج دول الخليج وإيران مواد أخرى من مواردها الهيدروكربونية إلى جانب النفط، بما في ذلك مكونات الأسمدة مثل الكبريت واليوريا والأمونيا، وتُعد الأسمدة ضرورية للزراعة الحديثة في أماكن مثل الهند، وبحسب مدة استمرار الحرب، فقد تُلحق الضرر بالإنتاج الزراعي في آسيا وتؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية أو حتى نقصها عالمياً.
كما تُعد دول الخليج منتجًا رئيسياً للكبريت المستخدم في إنتاج حمض الكبريتيك، الذي يُستخدم في تعدين ومعالجة النيكل والنحاس، حيث تستورد إندونيسيا 75% من احتياجاتها من الكبريت اللازم لإنتاج النيكل من دول الخليج.
يُستخدم النيكل في صناعة الفولاذ المقاوم للصدأ، ويعتبر النحاس ضروري في صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية، والأنابيب، وشبكات السباكة، والآلات الصناعية، لذا من المتوقع أن تشهد جميع هذه الصناعات ارتفاعاً في الأسعار نتيجةً لحرب ترامب على إيران.

خطورة

أما عن سبب خطورة هذه الأزمة، فيكمن في أن الطلب على البنزين والديزل، كما يُطلق عليه الاقتصاديون، “غير مرن” ما يعني أن زيادات الأسعار لا تقلل الاستهلاك بشكل كبير، وعليه، سيتنافس المستهلكون على شراء المنتجات النفطية الأغلى سعراً لعدم وجود بديل، ومع استمرار الطلب القوي حتى مع ارتفاع الأسعار، فإن خفض العرض بنسبة 20% لن يؤدي إلى زيادة مماثلة في السعر، ولن يتوقف المستهلكون عن شراء البنزين عند ارتفاع سعره بشكل كبير، وبالتالي سيستمر السعر في الارتفاع.
وبالمثل، فإن العرض غير مرن نسبياً، فبينما تؤدي الأسعار المرتفعة إلى عودة المنتجين الهامشيين إلى السوق وزيادة العرض بمرور الوقت، فأن حقول هؤلاء المنتجين ضحلة ولا يمكنها تعويض إمدادات دول الخليج، بالإضافة إلى أن تشغيل هذه الحقول يستغرق وقتاً طويلاً، وبمجرد توقف معدات النفط عن العمل لفترة، تتدهور حالتها وتحتاج إلى إصلاحات واستبدال لتعود للعمل.

إغراق محدود

تُعدّ السعودية من بين المنتجين القلائل للنفط القادرين على زيادة الإنتاج ومحاولة تخفيف حدة النقص الوشيك، لكنها مضطرة لتصدير نصف نفطها أو أكثر عبر الخليج العربي، لذا لا يمكنها “إغراق السوق” لتعويض إغلاق إيران للمضيق.
في الحقيقة، يعتقد بعض الاقتصاديين أن ترامب قد هيّأ الولايات المتحدة لجولة من الركود التضخمي على غرار سبعينيات القرن الماضي، مع ارتفاع الأسعار دون زيادة في الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يعود بالفائدة على روسيا بشكل كبير على المدى القصير إلى المتوسط، حيث ستتجه الصين والهند ودول أخرى إلى نفطها لتعويض النقص في دول الخليج، وبالمثل، تتمتع الصين بوضعٍ ممتازٍ لتقليل اعتمادها على واردات النفط والغاز من خلال زيادة استخدامها للسيارات الكهربائية وإنتاج الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء، حيث أن نصف مشتريات السيارات الجديدة في الصين حالياً هي سيارات كهربائية، وبحصول السائقين على جزء كبير من الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الشمسية أو من الألواح الشمسية المنزلية، سيكونون بمنأى عن ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، على عكس الأمريكيين.

[ جديد الخبير ]