بينما تتصاعد نذر المواجهة في مياه الخليج وتتزايد المخاطر المحيطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، يبرز التساؤل الأهم في أروقة الاقتصاد الإقليمي حول البدائل اللوجستية القادرة على ضمان تدفق التجارة العالمية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، تجد سوريا نفسها أمام فرصة استراتيجية تفرضها الجغرافيا، حيث تتحول المسارات البرية السورية إلى “رئة إضافية” لا غنى عنها لربط المتوسط بالعمق الآسيوي.
نزيف النفط العراقي والبحث عن “ممرات آمنة“
لم تعد مسألة تنويع منافذ التصدير ترفاً سياسياً للعراق، بل أصبحت قضية “أمن قومي” بامتياز، خاصة مع التقارير التي تشير إلى تراجع الإنتاج النفطي العراقي بنحو 70% نتيجة الحرب القائمة. ومع خسارة بغداد ما يقارب 230 مليون دولار يومياً بسبب تعطل الصادرات عبر مضيق هرمز، تجددت الدعوات الرسمية لإحياء المشاريع الاستراتيجية العابرة للحدود.
وهنا يبرز مشروع “طريق الشام الجديد” (الذي يربط العراق بالأردن ومصر). ورغم أن مسار هذا المشروع (خط أنابيب البصرة – العقبة) لا يمر بالأراضي السورية جغرافياً، إلا أن التحرك العراقي نحو هذا الخيار يفتح الباب واسعاً أمام سوريا لاستعادة دورها كشريك لوجستي ومنافس استراتيجي عبر مسارين حيويين:
– إعادة إحياء خط ” كركوك – بانياس”: إذ يرى خبراء اقتصاد أن الضغط الحالي على الموازنة العراقية قد يدفع بغداد لتفعيل خط الأنابيب السوري التاريخي الواصل إلى ميناء بانياس، كونه الأقصر والأقل كلفة مقارنة بخط العقبة، مما يمنح سوريا رسوم ترانزيت هائلة واستقراراً طاقوياً.
– تكامل الطرق الدولية (M4 وM5): بينما يهرب النفط العراقي عبر الأردن، تظل حركة التجارة غير النفطية والسلع القادمة من تركيا وأوروبا بحاجة ماسة للطرق الدولية السورية (M5) للوصول إلى الأردن والخليج، وطريق (M4) لوصل العمق العراقي بـ موانئ المتوسط.
كركوك – بانياس.. الخيار الأسرع والأقل كلفة
من جهته، يرى الخبير النفطي حيد البطاط في حديث خاص لـ “العين السورية”، أن خط “كركوك – بانياس” يظل المسار الطبيعي للنفط العراقي نحو المتوسط من الناحيتين الجيوسياسية والاقتصادية، وذلك لعدة أسباب جوهرية تتقدمها الكلفة التشغيلية (OPEX) المنخفضة، إذ أن المسافة من حقول كركوك إلى ميناء بانياس هي الأقصر مقارنة بالالتفاف حول شبه الجزيرة العربية أو عبر الأردن، وقصر هذه المسافة يترجم عملياً إلى طاقة ضخ أقل وتكاليف صيانة أقل للميل الواحد، مما يمنح سوريا رسوم ترانزيت هائلة واستقراراً طاقوياً مستداماً.
تحديات التأهيل والقدرة التقنية السورية
ورغم أننا لا نتحدث عن إنشاء خط من الصفر (كما في أنبوب البصرة – العقبة) بل عن عملية إعادة تأهيل لبنية تحتية قائمة، إلا أن الإشكالية تكمن وفقاً لـ البطاط في الحالة الفنية للمحطات (T1, T2, T3, T4) والخط داخل الأراضي السورية الذي تعرض لدمار كبير وتقادم تكنولوجي. ويؤكد البطاط أن سوريا حالياً لا تملك القدرة التقنية لإعادة التشغيل الفوري بالمعايير الدولية الحديثة دون استثمارات خارجية وتقنيات متطورة، غالباً ما تكون روسية أو صينية أو عراقية بتمويل مشترك، حيث يحتاج الخط أولاً إلى مسح شامل بتقنية للتأكد من سلامة الأنابيب من التآكل بعد سنوات التوقف الطويلة.
الموانئ السورية مقابل العقبة
في السياق، يشير البطاط إلى أنه عندما تشتعل التوترات في مضيق هرمز يرتفع “بدل مخاطر الحرب” في التأمين البحري، “وهنا تبرز الموانئ السورية في اللاذقية وطرطوس كمنافس قوي لميناء العقبة، كونها تقع مباشرة على المتوسط وتوفر وصولاً سهلاً للأسواق الأوروبية والأمريكية دون المرور بقنوات مائية مكلفة”. وبحسب البطاط تضيف الموانئ السورية ميزة “العمق الطبيعي” الذي يسمح برسو الناقلات العملاقة (VLCC) عبر منصات التحميل العائمة (SPM)، وهي ميزة حيوية لخفض كلفة الشحن للكميات الكبيرة، ما يجعل الجغرافيا السورية صمام أمان بري يربط الساحل بالحدود العراقية عبر أوتوسترادات (M4) و(M5).
اقتصاد الترانزيت والقيمة المضافة للنهضة
في المحصلة، يُثبت التاريخ الاقتصادي أن تجارة الطاقة تبحث دائماً عن “المسار الأقل مخاطرة”. وإذا ما نجحت سوريا في تقديم نفسها كممر نفطي مستقر ومنظم عبر إعادة إحياء أرصفة بانياس ومحطات الضخ، فإنها لن تحقق نمواً اقتصادياً فحسب، بل ستعيد تثبيت دورها كحلقة وصل طاقوية لا يمكن تجاوزها. وعليه، فإن تحدي عام 2026 يكمن في كيفية تحويل “الضرورة الإقليمية” لتأمين ممرات النفط إلى محرك حقيقي للنهضة، واستعادة مكانة بانياس كبوابة رئيسية للخام العراقي نحو العالم.