الشركة السورية للبترول (SPC) بين مطرقة الولاء وسندان إعادة التدوير: صراع النخب على مستقبل القطاع النفطي

الخبير السوري:
في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها سوريا بعد سقوط النظام، يبرز قطاع النفط كأحد الملفات الأكثر حساسية وتشابكاً. غير أن الإدارة الجديدة للشركة السورية للبترول (SPC) – التي تأسست بموجب المرسوم رقم 189 في أكتوبر 2025 ككيان اقتصادي عام قابض يضم المؤسسة العامة للنفط والمؤسسة العامة للتكرير – تجد نفسها اليوم عالقة في معادلة مستحيلة، تتأرجح بين خيارين متطرفين لا ثالث لهما: إما الانحياز إلى “أقصى اليمين” المتمثل في تعيين موالين جدد للسلطة الحالية بغض النظر عن كفاءاتهم، أو الانجراف نحو “أقصى اليسار” الذي يعني إعادة تدوير رموز النظام السابق تحت شعار “الخبرة”. وفي كلا الحالتين، يبقى الضحية الأكبر هو الصف الثاني والثالث من الكوادر الوطنية النظيفة التي ظلت مهمشة لعقود.

*  ظاهرة التعيينات الشبابية غير المؤهلة: حين يصبح المنصب مكافأة لا مسؤولية
على الجانب الأيمن من المعادلة، تبرز ظاهرة مثيرة للقلق تتمثل في تسلم أشخاص لم يتجاوزوا الخامسة والثلاثين من العمر مناصب إدارية عليا، دون أن يمتلكوا الحد الأدنى من التسلسل الوظيفي الذي يؤهلهم لهذه المواقع. هؤلاء لم يعبروا الجسر الطبيعي لاكتساب الخبرة الذي يبدأ بالعمل الميداني، مروراً بالإشراف، فالقيادة، بل قفزوا مباشرة إلى كراسي الإدارة وكأن السنوات الطويلة من التدرج الوظيفي لا قيمة لها.

والأكثر إثارة للاستغراب أن هؤلاء المعينين الجدد لم يقتصروا على شغل المناصب فحسب، بل حصلوا معها على حزمة امتيازات تفوق بكثير ما يمكن أن يحلم به مهندس أمضى عشرين عاماً في العمل الميداني: سيارات فارهة، منازل مجهزة، وبطاقات وقود تملأ شهرياً على نفقة الشركة. وكأن الهدف من الثورة كان إنتاج طبقة جديدة من المستفيدين بدلاً من بناء مؤسسات عادلة.

اللافت أيضاً أن بعض هؤلاء المعينين الشباب يرتبطون بعلاقات قرابة مباشرة مع مسؤولين كبار في الدولة الجديدة، حيث يتولى شقيقهم أو قريبهم منصباً رفيعاً في وزارة أو مؤسسة سيادية، فيتم تعيينه كمكافأة عائلية لا كفاءة ذاتية. هذا التجاهل الصارخ لأبسط قواعد الحوكمة يضرب بعرض الحائط كل الأعراف المتبعة في الشركات العامة والخاصة في أي دولة في العالم، حيث يُعتبر التسلسل الوظيفي شرطاً أساسياً لاكتساب الخبرة وبناء القيادات.

* الاستقطاب الحاد: وجوه على اليمين وأخرى على اليسار

هذه الظاهرة لا تلغي خطورة الجانب الآخر من المعادلة، حيث نشهد تعاقدات مع شخصيات كانت تمثل العمود الفقري لمنظومة الفساد والنهب في عهد النظام البائد. يأتي في مقدمتهم خالد العليج، الذي شغل منصب معاون وزير النفط والثروة المعدنية في حكومة النظام من عام 2015 حتى 2022، وعاد اليوم ليتبوأ موقعاً تنفيذياً في الشركة السورية للبترول كمدير لشركات المشاريع المشتركة . إلى جانبه، تم تعيين وليد اليوسف نائباً للرئيس التنفيذي، وهو الرجل الذي عمل سابقاً مع رجل الأعمال الشهير محمد القاطرجي، المتورط في نهب النفط السوري. ما يثير القلق هنا أن اليوسف لم يأتِ بمفرده، بل جلب معه طاقماً كاملاً من أربعة أو خمسة أشخاص، من بينهم عامر عواد الذي تم تكليفه برئاسة مجلس إدارة شركة الفرات للنفط، وخالد العليج نفسه.
كما شملت التغييرات المثيرة للجدل تعيين محمد كركوش مديراً للمكتب الإعلامي، وهو الذي شغل سابقاً منصب مدير المكتب الإعلامي في وزارة النفط بحكومة النظام، وعمل مديراً لمكتب وكالة “سانا” لعدد من الوزراء . الانتقادات لم تتوقف عند كونه جزءاً من “الماكنة الإعلامية للنظام البائد”، بل امتدت لتكشف عن شبكة أوسع تضم شخصيات كانت تدير الإعلام الرسمي في عهد النظام.

نحن لا ننكر أن هؤلاء يمتلكون خبرة فنية طويلة، فهم أبناء مؤسسة عمرها عقود. لكن الخطر يكمن في أن هذه الخبرة لم تُوظَّف في إطار استشاري يقدم المشورة بعيداً عن صنع القرار، بل تم وضعهم في مناصب تنفيذية مباشرة، مما يعني إعادة إنتاج نفس العقلية والأساليب التي أدت إلى انهيار القطاع ونهبه.

*  الصف الثاني والثالث: الجيش الخفي المهمش
في خضم هذه الصراعات على المناصب بين تيارات الموالاة الجديدة وعملاء النظام السابق، يبقى الصف الثاني والثالث من المهندسين والفنيين السوريين مغيبين تماماً. هؤلاء هم الذين قضوا عقوداً في العمل الميداني والإداري، يمتلكون سلسلة وظيفية طويلة وخبرات متراكمة، لكنهم ظلوا بعيدين عن دوائر الفساد والمحسوبيات. لم ينالوا فرصتهم في عهد النظام لأنهم لم يكونوا موالين للحزب، واليوم يخسرون فرصتهم مرة أخرى لأنهم ليسوا محسوبين على هذا الفريق أو ذاك، ولأنهم لم يكونوا في مواقع صنع القرار خلال السنوات الماضية.

يقول أحد المهندسين المفصولين في تعليق مؤثر: “كانت طموحاتنا نحن المهندسين المفصولين أن نكون ضمن الخيارات القوية للترشح لمواقع إدارية لا بأس بها. ولكن مع تجاهلنا واستمرار إقصائنا بدأت طموحاتنا تنخفض حتى أصبحنا نطمح بأن يتكرم علينا من استمر بعمله الوظيفي أثناء الثورة بأن يعيدونا إلى عملنا كموظفين عاديين وفي أخفض موقع وظيفي” .

هؤلاء الكوادر هم الثروة الحقيقية لأي مؤسسة. وهم وحدهم القادرون على إحداث التغيير الحقيقي، لأنهم يحملون همّ الوطن ولا يدينون بالولاء إلا للكفاءة والنزاهة. إن تجاهلهم هو إهدار لرأس المال البشري الأكثر قيمة، وإبقاء للقيادة في أيدي من أثبتوا فشلهم على مدى عقود، أو في أيدي شباب غير مؤهلين تسلموا مناصبهم بالمحسوبية لا بالكفاءة.

*  التحليل: أي نموذج إداري نريد؟
الصراع الدائر في الشركة السورية للبترول ليس مجرد صراع على كراسي، بل هو صراع على هوية المؤسسة ومستقبل القطاع. إذا كانت “الخبرة” المطلوبة هي تلك التي أدارت القطاع على مدى خمسين عاماً وأوصلته إلى الانهيار، فإن رموز النظام السابق هم الخبراء بلا منازع. وإذا كانت “الكفاءة” تقاس بدرجة الولاء لا بسنوات العمل والتدرج الوظيفي، فإن الشباب غير المؤهلين هم الأحق بالمناصب. أما إذا كانت الخبرة والكفاءة الحقيقيتين تعنيان القدرة على بناء مؤسسات شفافة، ومكافحة الفساد، وتطوير الإنتاج، فإن الصف الثاني والثالث من الكوادر النظيفة هم الأجدر بهذه الثقة.

الخيار الثالث: نحو سياسة واضحة مبنية على أسس علمية
الحل لا يكمن في اختيار أحد التطرفين، بل في تبني سياسة واضحة وشفافة تعتمد على معايير موضوعية. يجب أن يكون لكل موظف سجل وظيفي موثق، يتضمن تاريخه العملي وإنجازاته وخبراته، وأن تكون التعيينات بناءً على الكفاءة والنزاهة والقدرة على العطاء، وليس على الولاءات الشخصية أو العلاقات العائلية.

إن استبعاد الصف الثاني والثالث من الكوادر النظيفة هو خطيئة كبرى ترتكب بحق الوطن. هؤلاء هم من يجب أن يُعتمد عليهم لقيادة المرحلة الانتقالية، لأنهم يحملون الخبرة والنزاهة معاً. وإذا كانت هناك حاجة للاستعانة ببعض الخبرات القديمة، فليكن ذلك في أدوار استشارية محددة وتحت إشراف دقيق، وليس في مناصب تنفيذية تمكنهم من إعادة إنتاج الماضي. كما أن تعيين الشباب يجب أن يخضع لمعايير الكفاءة والتسلسل الوظيفي، لا أن يكون مكافأة لأقارب المسؤولين.

سوريا الجديدة لا تستحق إدارة تعيد تدوير الوجوه نفسها، ولا تستحق مسؤولين بلا كفاءة يقتطعون امتيازات تفوق سنين خبرتهم. سوريا الجديدة تستحق نخبة نظيفة، شابة، مخلصة، قادرة على بناء مؤسساتها على أسس علمية سليمة. فهل تسمع إدارة الشركة السورية للبترول هذا الصوت؟

[ جديد الخبير ]