الخبير السوري:
تلقّى عدد من مشتركي مولدات الكهرباء الخاصة في مدينة دمشق وريفها، المعروفة محليًا بـ“الأمبيرات”، الثلاثاء، رسائل عبر تطبيق واتساب، من أصحاب المولدات تُعلمهم بمواعيد إطفاء المحركات وتقنين ساعات التشغيل، وذلك بسبب صعوبات في تأمين مادة المازوت اللازمة لتشغيلها.
وأثارت هذه الرسائل مخاوف لدى المشتركين، خصوصًا بعد الاعتماد الكبير على المولدات لتأمين الحد الأدنى من الكهرباء في ظل الانقطاعات المتكررة للتيار العام.
أحد أصحاب المولدات أوضح ـ وفق موقع تلفزيون سوريا ـ أن بعض محطات الوقود توقفت عن بيع مادة المازوت بكميات تتجاوز 20 لترًا للطلب الواحد، مشيرًا إلى أن هذه الكمية “لا تفي بالغرض إطلاقًا”، نظرًا إلى الاستهلاك المرتفع للمولدات، لا سيما في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية. وأضاف أن اضطرارهم إلى شراء كميات محدودة يدفعهم إلى تقنين ساعات التشغيل، تفاديًا للتوقف الكلي.
وبيّن صاحب المولدة، أن أصحاب هذه المشاريع لا يتلقّون مخصصات رسمية من المازوت، بل يعتمد كل منهم على جهوده الفردية في تأمين المادة من السوق، ما يجعلهم عرضة لتقلّبات العرض والطلب. وقال: “لا توجد آلية واضحة لتزويدنا بالمازوت، وكل صاحب مولدة مسؤول عن تأمين احتياجاته بنفسه، وهذا ينعكس مباشرة على المشتركين”.
انعكاسات على الحياة اليومية
في الأحياء السكنية، لا يقتصر أثر تقنين تشغيل المولدات على الإضاءة فقط، أو تشغيل الأدوات المنزليّة، بل يمتد إلى جوانب أساسية من الحياة اليومية.
تقول أم محمد، وهي ربة منزل، لموقع تلفزيون سوريا، إن انقطاع الكهرباء يعيدهم إلى “مرحلة لا يرغبون في تذكّرها”، مشيرة إلى أن الكهرباء لم تعد رفاهية، بل ضرورة حياتية.
وتوضح أن توقيت انقطاع الكهرباء اليوم، يتزامن مع ساعات ضخّ المياه إلى الحي، ما يمنع السكان من تشغيل مضخات المياه المنزلية، وبالتالي يحرمهم من تعبئة الخزانات. وتضيف: “حين تنقطع الكهرباء في وقت وصول المياه، نفقد الأمرين معًا، فنجد أنفسنا بلا كهرباء ولا مياه”.
في حين يقول عبد الوهاب السلامة، لموقع تلفزيون سوريا، إنّه عاد من تركيا إلى سوريا قبل نحو أربعة أشهر، ويعمل في مجال التصميم، لذلك اشترك في خدمة الأمبيرات لتأمين كهرباء دائمة من أجل عمله، لكن ساعات الانقطاع الآن، ستؤثّر حتماً على عمله، إذ لم يعد بإمكانه استخدام جهاز الكومبيوتر، ولا الطابعة، وبالتالي سيتأثّر عمله.
لا نقص في المشتقات النفطية
وسبق أن أصدرت وزارة الطاقة بيانًا توضيحيًا أكدت فيه أنه “لا يوجد أي نقص في المشتقات النفطية داخل الجمهورية العربية السورية في الوقت الحالي، سواء البنزين أو المازوت أو الغاز المنزلي”. وأشارت إلى أن المصافي العاملة مستمرة في أداء مهامها بشكل طبيعي، وأن عقود استيراد النفط الخام قائمة عبر القنوات المعتمدة، في حين يبقى المخزون التشغيلي ضمن الحدود الآمنة.
وأضاف البيان أن الازدحام الذي شهدته بعض محطات الوقود خلال الساعات الماضية يعود إلى ارتفاع غير مسبوق في حجم الطلب، حيث تجاوزت نسبة المبيعات 300% مقارنة بالمعدل اليومي الطبيعي، نتيجة المخاوف المرتبطة بالتطورات الإقليمية وتداول الشائعات، وليس بسبب نقص فعلي في المادة.
ودعت الوزارة المواطنين إلى استقاء المعلومات من المصادر الرسمية، وعدم الانجرار وراء الشائعات التي قد تؤدي إلى ضغط غير مبرر على منظومة التوزيع.
بالمقابل أكّد صاحب إحدى الكازيات، لموقع تلفزيون سوريا، أنّه استلم الكميّة المخصّصة له كاملة، لكنه قال إنّ هناك حديث عن احتمال تخفيض الكميّة، وقد يصل التخفيض بحسب المتداول إلى النصف.
ويضيف أنّ الكازيات اتخذوا قراراً بعدم تعبئة أكثر من 20 لترا بسبب تزاحم الناس على الكازيات، فأعداد الزبائن وصلت إلى أربعة أضعاف عن المعتاد، بالإضافة إلى أنّ من كان يملأ سيارته بـ 20 لترا، جاء اليوم يطلب كميّة مضاعفة، مع انّ الكميّة الموزّعة حتّى اليوم لم تتأثّر، لكن زيادة الطلب سبّبت أزمة في المحروقات.
هشاشة البنية البديلة
من منظور اقتصادي، تبدو أزمة تقنين تشغيل المولدات الخاصة انعكاسًا لاختلال مفاجئ بين العرض والطلب أكثر من كونها نقصًا فعليًا في المشتقات النفطية، فبحسب المعطيات الرسمية، لم تتراجع الإمدادات، لكن الطلب قفز إلى نحو 300% من معدله الطبيعي.
يقول المختص في الشأن الاقتصادي، فراس ناصيف، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ ما يجري اليوم يُعرف اقتصاديا بـ”الطلب الهلعي”، والذي يظهر عادة عند انتشار الشائعات أو المخاوف، ومع ثبات العرض، يؤدي تضاعف الطلب إلى ازدحام المحطات وتقنين الكميات، ما يخلق انطباعا بوجود أزمة حتى دون وجود نقص.
ويضيف أنّه في المقابل، تكشف التطورات هشاشة نموذج “الأمبيرات” الذي بات بديلًا شبه أساسي للكهرباء الحكوميّة، فهذا القطاع يعمل بلا مخصصات رسمية مستقرة، ويعتمد على السوق المفتوحة لتأمين المازوت، ما يجعله في منافسة مباشرة مع المستهلكين الأفراد، وعند تحديد الكميات بـ 20 لترا فقط، يصبح استمرار التشغيل الكامل متعذرا، ويُفرض التقنين فورا.
ويرى أنّ الأثر لا يقتصر على الإنارة، بل يمتد إلى الإنتاج المنزلي والأنشطة التجارية وضخ المياه، ما يعني خسارة إنتاجية مباشرة، والأخطر أنّ توقعات النقص نفسها قد تغذي الأزمة عبر زيادة الطلب الوقائي، وعليه، تبدو المشكلة أقرب إلى أزمة إدارة طلب وتوقعات، لكنها تكشف في الوقت ذاته هشاشة البنية البديلة للكهرباء في غياب تنظيم واضح.
بين تحليلات المختصين، والتصريحات الحكوميّة، تبقى الحقيقة الثابتة هي وجود طوابير على الكازيات ومعتمدي الغاز، فضلا عن ارتفاع لأكثر من 100% في أسعار المحروقات في السوق السوداء، وتبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف ما إذا كانت تلك الأزمة هي نقص حقيقي في المحروقات أم بالفعل زيادة الطلب مع توفّر المحروقات.