ارتفاع المخاطر الاقتصادية الأمريكية في ظل تصاعد الحرب على إيران..

الخبير السوري ـ سمر سامي السمارة

تشهد الساحة الدولية تصاعداً ملحوظاً في التوترات، خاصة بعد الحرب على إيران، الأمر الذي يثير تساؤلات كبيرة حول تداعيات هذا النزاع على الاقتصاد العالمي بشكل عام وعلى الاقتصاد الأمريكي على وجه الخصوص، حيث أن اندلاع حرب مباشرة أو تصاعد الصراع في منطقة الشرق الأوسط، التي تعد من أبرز المناطق الجيوسياسية الإستراتيجية، لابد أن يحمل معه تأثيرات عميقة على أسواق النفط، التجارة الدولية والاستقرار المالي، وهنا يبرز سؤال جوهري حول قدرة الولايات المتحدة على تحمل التبعات الاقتصادية لهذه الحرب، والتي قد تشمل ارتفاع أسعار النفط، تدهور قيمة الدولار وزيادة التضخم، وهو ما يزيد من حدة المخاطر الاقتصادية التي تواجه الاقتصاد الأمريكي والتي يمكن أن تتدرج من “عالية جداً” إلى “شديدة الخطورة”.

* سحابة أخرى تُخيّم على الاقتصاد الأمريكي

يرى مراقبون، أن هذا التوتر الجديد يُفاقم سلسلة الضغوط الشديدة الأخرى التي يواجهها الاقتصاد بالفعل، والذي بات من المستبعد أكثر من أي وقت مضى أن ينجو منها دون أضرار، إذ يكمن الخطر المباشر في حدوث انتكاسة في الأسواق المالية قد تخرج عن السيطرة.

في الواقع، كان من المتوقع حدوث مثل هذا التراجع، نظراً للمبالغة الواضحة في تقييم الأسهم الأمريكية، والعبء الذي أثقلت به التعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية كاهل الاقتصاد، والتوقعات المالية المتدهورة باستمرار، ومعدل التضخم المستمر، مع احتمال ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد، وتعطل التدفقات التجارية، والاضطرابات السياسية العالمية.

إلى ذلك، حذر خبراء اقتصاديون من أن أرقام التضخم التي صدرت مؤخراً، باتت مثيرة للقلق، فقد ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الأساسي الأمريكي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، بنسبة 0.8% في كانون الثاني الماضي مقارنة بـ 0.3% في السنة الماضية، وهو أعلى بكثير من المتوقع ومن هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 0.2%.

وللإشارة يعد مؤشر الإنفاق الاستهلاكي الشخصي أحد أهم أدوات قياس التضخم لدى الاحتياطي الفيدرالي، وهو التضخم الأساسي لأسعار نفقات الاستهلاك الشخصي. وفي دراسة أجراها معهد إدارة التوريد أظهرت مزيداً من الأدلة على ذلك، مشيرة إلى أن أسعار مدخلات التصنيع ترتفع بأسرع وتيرة منذ عام 2022.

من المرجح، أن يؤدي التضخم الجديد الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة إلى تفاقم هذا الوضع المقلق بالفعل، فقد ارتفعت أسعار الطاقة مع بدء الضربات على إيران، ويتوقع المحللون أن يتجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، بعد أن كان 65 دولاراً قبل الهجوم. مع ذلك يرى مراقبون أنه بحال استمرار الصراع واتساع نطاقه، وتعرض البنية التحتية للطاقة لهجمات متواصلة، فضلاً عن إغلاق مضيق هرمز، سيكون سعر 100 دولار للبرميل سعراً متفائلاً للغاية.

*ىأصداء السبعينيات:

ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي

بحسب محللون، فأن ارتفاع أسعار النفط بشكل مستمر يعني ركوداً تضخمياً – أي تضخم أعلى مصحوباً بتباطؤ النمو الاقتصادي- وهو مزيج يعجز الاحتياطي الفيدرالي عن مواجهته، هذا، على الرغم من أن الولايات المتحدة أصبحت الآن مُصدِّراً صافياً للنفط، لذا ستكون الخسائر في النمو المحلي أقل هذه المرة، لكن الصدمة ستظل عالمية، وسيظل تأثيرها على الولايات المتحدة ركوداً تضخمياً، وسيزيد من الضغوط التضخمية القائمة

* آلية الدعم المالي

توجِّه هذه السيناريوهات الكارثية الانتباه إلى آلية الدعم المالي، ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تمتلكها، فحتى قبل أن تُبطل المحكمة العليا ما يُسمى بالتعريفات الجمركية المتبادلة التي فرضتها الإدارة، كانت آفاق الاقتراض العام على المحك.

إن عجز الموازنة الذي يبلغ 6% من الناتج المحلي الإجمالي، حتى مع وصول الاقتصاد إلى مستوى التشغيل الكامل للعمالة واستقرار أسعار الفائدة، يعني أن الدين العام – الذي يقترب بالفعل من مستويات قياسية- سيستمر في النمو بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد.

كما سيؤدي تراجع الإدارة الأمريكية عن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية إلى حرمان الحكومة نحو 150 مليار دولار سنوياً من الإيرادات المتوقعة، وهو مبلغ أكثر بقليل مما يمكن تحصيله من خلال زيادة جميع معدلات ضريبة الدخل بنسبة نقطة مئوية واحدة. إضافةً إلى ذلك، قد تضطر الحكومة إلى رد الرسوم الجمركية التي تم تحصيلها بالفعل، ولتغطية هذا النقص، أعلنت الإدارة الأمريكية عن تعريفة جمركية عالمية جديدة بنسبة 10% ترتفع إلى 15% بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، كما وعدت بإجراء “تحقيقات” جديدة قد تؤدي إلى فرض ضرائب جديدة بموجب سلطات أخرى – وهي إجراءات تهدد بتقويض الاتفاقيات التجارية المبرمة بالفعل مع العديد من الشركاء.

باختصار، يضمن حكم المحكمة أمرين: إيرادات أقل من المتوقع، بالإضافة إلى مزيد من عدم اليقين بشأن نظام التعريفات الجمركية المستقبلي.

في الواقع، لا يمكن فرض تعريفات بموجب المادة 122 إلا لمدة 150 يوماً دون موافقة الكونغرس، علاوة على ذلك، يُحتمل أن تكون هذه التعريفات غير قانونية لأن مبررها – وهو ضرورة معالجة “مشاكل المدفوعات الدولية الأساسية” بما في ذلك “العجز الكبير والخطير في ميزان المدفوعات” غير موجود على الأرجح.

على الرغم من أن الولايات المتحدة تعاني من عجز كبير في الحساب الجاري، يُموّل بفائض مماثل في حساب رأس المال، ولكن ليس لديها “عجز في ميزان المدفوعات” بالمعنى المتعارف عليه لهذا المصطلح، كما أن الصلاحيات القانونية الأخرى المتاحة مشكوك فيها أيضاً، لأنها تعتمد في الغالب على نوع من الحاجة المُلحة لعرقلة التجارة، وهي حاجة غير موجودة.

وبحسب محللين اقتصاديين، فإن انتكاسة قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، تُبرز هشاشة استراتيجية التعريفات الجمركية الأوسع نطاقاً، طالما لا يمكن الاعتماد على ضرائب الاستيراد، وإلى أن يُجبر الكونغرس على أخذ ضبط الميزانية على محمل الجد، سيتفاقم العجز في الإيرادات، وسيسود قدر هائل من عدم اليقين المالي. ونتيجةً لذلك، لن يكون لدى واشنطن سوى مساحة مالية ضئيلة، أو معدومة، للاستجابة لانتكاسة اقتصادية كبيرة بتخفيضات ضريبية وإنفاق عام إضافي.

* إلى أي مدى يمكن للاقتصاد الأمريكي، بكل نقاط قوته المذهلة، أن يستوعب هذا الاضطراب؟

لقد كانت سياسات إدارة ترامب التجارية والميزانية تُقامر بالفعل بكارثة مالية، والآن، مع الضربات الإيرانية، ضاعف البيت الأبيض من حدة موقفه.

[ جديد الخبير ]