الكاتب: داني سيترينوفيتش- باحث في معهد دراسات الأمن القومي (INSS).. مسؤول سابق في الاستخبارات العسكرية “أمان” تولى طيلة 25 عاما عدة مناصب قيادية في دائرة الأبحاث وجمع المعلومات
الخبير السوري – ترجمة غسان محمد على عكس الخطاب السائد في إسرائيل، لم تفقد طهران السيطرة. فالقيادة الإيرانية تتصرف وفقا لمنطق استراتيجي بارد ومحسوب، بهدف واحد: ليس الفوز، ولكن أيضا عدم الخسارة، وفرض ثمن باهظ على جميع الأطراف المتنازعة. في إسرائيل، من السهل وصف سلوك إيران بأنه رد فعل متهور من نظام مُرهَق. إلا أن الصورة الحقيقية أكثر تعقيدا. منذ بداية الحملة، تعمل طهران وفقا لمفهوم وُضِع مسبقا: خوض صراع طويل الأمد بمنطق الاستنزاف، وفرض ثمن باهظ، وممارسة ضغط متراكم، إلى أن يُفضّل الطرف الآخر إنهاء القتال. يُدرك الإيرانيون جيدا فجوات القوة. فهم لا يملكون القدرة على هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل عسكريا. ولكن من وجهة نظرهم، الاستسلام ليس خيارا مطروحا أيضا. لذا، يتبنون مفهوم “الفوز بعدم الخسارة” – أي بقاء النظام، والحفاظ على التماسك الداخلي، وجعل الحملة مُكلفة ومُرهقة ومُعقّدة قدر الإمكان لخصومهم. هنا تبرز استراتيجية الاستنزاف. تستخدم إيران نيرانا محسوبة ومُنسقة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة – ليس بهدف إسقاط إسرائيل أو هزيمة الولايات المتحدة، بل لخلق استنزاف مستمر. هذا “اقتصاد تسلح” محسوب: استخدام مُحكم للموارد، والحفاظ على مخزونات طويلة الأجل، وتجنب التصعيد غير المنضبط. الهدف ليس نصرا فوريا، بل ضغط سياسي تراكمي. تراهن طهران على الوقت. يفترض الإيرانيون أن كل يوم يمر يزيد من الإرهاق الاستراتيجي – خاصة في الولايات المتحدة. وكلّما طالت الحملة، زادت احتمالية الضغط السياسي الداخلي في واشنطن لإنهائها، حتى بدون تحقيق مكاسب دبلوماسية بعيدة المدى. وفي الوقت نفسه، تعمل إيران في الساحة الاقتصادية الاستراتيجية. فالتهديد بإغلاق مضيق هرمز ورفع أسعار النفط والغاز ليس مجرد خطوة تكتيكية، بل هو أداة ضغط عالمي. فزيادة العبء الاقتصادي على العالم أجمع من شأنه أن يدفع المجتمع الدولي للتدخل والضغط من أجل وقف إطلاق النار. وتندرج مجموعة الوكلاء – في لبنان والعراق والحوثيين في اليمن – ضمن هذا المفهوم. إذ يسمح تشغيل مراكز احتكاك متعددة بتوزيع المخاطر، مما يُثقل كاهل الخصوم ويُوسع نطاق الحملة. كل ذلك دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة وشاملة في جميع الساحات في آن واحد. وإذا ما استدعى الأمر مزيدا من التصعيد، فإن مهاجمة منشآت الطاقة الإقليمية ورقة رابحة. ورغم الصدمات التي طرأت على القيادة، وحتى بعد اغتيال المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، يُظهر النظام حاليا استقرارا نسبيا. وقد صُممت آليات الاستمرارية خصيصا لمثل هذه السيناريوهات. وفي نظر القيادة الإيرانية، يُعد بقاء النظام واستمرار عمله إنجازا استراتيجيا. في مواجهة هذا الواقع، تواجه واشنطن مُعضلة مُعقّدة: هل تنهي الحملة على حساب تحقيق مكاسب محدودة، أم توسّعها إلى حد محاولة الإطاحة بالنظام، وهي خطوة قد تُطيل أمد الصراع وتُعمّقه..؟ المواجهة بالغة الأهمية. على كل من يسعى لفهم إيران أن يتخلى عن سردية “الجنون”. طهران لا تتصرف بدافع فقدان السيطرة، بل بدافع اتباع نهج مُنضبط لإدارة المخاطر والوقت والتكلفة. هذه ليست استراتيجية نصر، بل استراتيجية استنزاف. وفي بعض الأحيان، في الشرق الأوسط، يُعدّ استنزاف الخصم الذي لا يُقهر نصرا بحد ذاته.