المنطقة والاقليم بمجمله يغلي فوق صفيح ساخن و الاحداث تتسارع و سلاسل الامداد تتضرر و تكاليف الشحن والنقل و التأمين تقفز لمستويات غير مسبوقة و اسعار الطاقة في ارتفاع مع انقطاعات على مستوى أغلب دول العالم . قد تستطيع دول عديدة مواجهة منعكسات الحرب الدائرة لأيام و يمكن لأسابيع من الناحية الاقتصادية إلا أن تضرر قطاع التجارة و الصناعة والخدمات سيكون اسرع من قدرة التحمل هذه بفعل الترابطات الامامية والخلفية لأغلب هذه القطاعات و ارتباطها جميعها مع الطاقة والمواد الخام و حركة النقل والانتقال للافراد والبضائع .. قديما كان يتم التحدث عن مصطلحات الزراعات و الصناعات الاستراتيجية و مصطلح المخزون الاسترتيجي من السلع و المواد و حتى الاموال و جميع هذه المصطلحات بددتها مفاعيل العولمة و سهولة عمليات الاستيراد والتصدير و النقل والشحن بدون قيود أو حواجز أو عراقيل إلى أن جاءت موجة العقوبات و الحظر و التقييد وارتفاع تكاليف وأعباء محاولات الالتفاف عليها مما أدى لارتفاع أسعار السلع والمواد و الطاقة و صعوبات توريدها بشكل متواتر كما هو معروف على مستوى الأداء الانتاجي المطلوب .. الاقتصاد الاستراتيجي أصبح حاجة ملحة لجميع الدول التي تعيش في دوامة الصراعات الإقليمية والدولية و بالتأكيد سوريا تبقى في عين العاصفة ايضا . الاقتصاد الاستراتيجي بالمفهوم هو مجال واسع يركز على استخدام الموارد الاقتصادية والقرارات المالية لتحقيق أهداف طويلة الأجل تتعلق بالأمن القومي، والنفوذ الدولي، والتنمية المستدامة، وليس فقط لتحقيق العائد المباشر. يرتكز هذا المفهوم على تعزيز القدرة المستدامة و المحركة لقطاعات انتاجية وخدمية عالية القيمة و المؤمنة استمرار العمل الاقتصادي دون انقطاعات مضرة و مكلفة . و هو يرتكز اي الاقتصاد الاستراتيجي على روافع و حوامل مهمة و منها : كأداة للقوة الوطنية عبر مفهوم او مصطلح(الجيواقتصاد). و في هذا الإطار، تُستخدم الأدوات الاقتصادية لتعزيز مكانة الدولة في النظام الدولي. يشمل ذلك عادة . استخدام العقوبات الاقتصادية كبديل أو مكمل للقوة العسكرية للضغط على الدول الأخرى. التحالفات التجارية مثل عقد اتفاقيات تجارية لبناء تكتلات اقتصادية تدعم النفوذ السياسي. سلاسل التوريد من خلال تأمين الوصول إلى الموارد الحيوية (مثل الطاقة والمعادن النادرة) وتقليل الاعتماد على الدول المنافسة. المرتكز الثاني يتعلق في التخطيط للتنمية الوطنية. وهو مايهم الاقتصاد السوري في هذه المرحلة الدقيقة و الحساسة ليس بفعل الاحداث الجارية فقط بل بفعل ولادته الجديدة من رحم سنوات من العزلة و الانكفاء و التراجع الشديد . و هو يتمثل في نهج محدد استراتيجي تتبعه الحكومات لتوجيه الاقتصاد نحو أهداف محددة، مثل تنويع الاقتصاد و تقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل (مثل النفط) او الزراعة او الصناعات الاستهلاكية الخفيفة من خلال بناء قطاعات استراتيجية جديدة (مثل التكنولوجيا أو السياحة أو حتى الخدمات المالية). بالاضافة الى تحقيق الأمن الغذائي أو الدوائي من خلال دعم الزراعات والصناعات المحلية في القطاعات الحيوية ذات الميزات النسبية لتقليل الاعتماد على الخارج ماأمكن ذلك . وعلى مستوى الاتصاد الجزئي أو الشركات فان الاقتصاد الاستراتيجي يعني اتخاذ قرارات مالية تدعم التفوق التنافسي على المدى البعيد. مثل عمليات الاندماج والاستحواذ للسيطرة على السوق أو الدخول في مجالات جديدة. و الاستثمار في البحث والتطوير للحفاظ على الريادة التكنولوجية. و لكي يكون الاقتصاد الاستراتيجي فاعلا و مؤثرا لابد من توفر قواعد اساسية له من بينها السيادة الوطنيةعبر السيطرة على الأصول والمقدرات الاقتصادية الحيوية. و الاستباقية من خلال التخطيط للمستقبل وتوقع المخاطر بدلاً من التفاعل معها فقط. و المرونةمن خلال بناء اقتصاد قادر على الصمود في وجه الصدمات الخارجية (مثل الحروب أو الأوبئة) الاقتصاد الاستراتيجي باختصار هو فن وعلم إدارة الإمكانات الاقتصادية لخدمة الأهداف الكبرى للدولة أو المؤسسة في بيئة تنافسية ومتغيرة. الاقتصاد السوري يجب أن يتوجه نحو الاستراتيجية و البعد الزمني و الأهدافي المحدد و المؤطر ضمن الإمكانيات المتاحة المرحلية والمستقبلية كي لا يقع في أزمات نقص المواد أو الطاقة أو مستلزمات الإنتاج .. انها مرحلة دقيقة تعيشها المنطقة و لابد من ولوجها بأكبر قدر من اليقظة و الفاعلية .. دمشق في ٤ شباط /٢٠٢٦ العيادة الاقتصادية السورية