لا أحد يمتلك صك براءة تنموية..لا حكومات ولا مواطنين في سنوات الرخاء أو البحبوحة التي مرّت فيها سورية عبر عقود فورات و وفورات مالية متقطّعة في الستينيّات والسبعينيّات و في النصف الثاني من التسعينيّات ثم في النصف الثاني من العقد الأول في ألفيتنا الجديدة..فقد كان ثمة فرض إلا أن ما ينقصها كان الالتقاط الصحيح للفرصة، لا سيما من قبل من حظوا بكفاية مالية على المستوى الشعبي..وهؤلاء كانوا طيفاً واسعاً في مختلف المحافظات و المدن السورية، لا سيما في مناطق الإنتاج الزراعي، على اعتبار أن الاقتصاد السوري زراعي النفحة بالدرجة الأولى.
و إن كان لا بأس فيما مضى، لكن هذا لا يصحّ من الآن فصاعداً، سيما و أن جلسات المراجعة وجردات الحساب، بدأت الآن ولو بشكل هامس بشأن سنوات ما قبل الأزمة، تتسلل على شكل تقاذف اتهامات إلى مجالس النخب، ولعلّها حالة ليست غير تقليديّة على أرضية التعافي ونفحة الاستقرار، التي أتاحت ما يلزم من هدوء لدوران عجلة ما يشبه عصف الذاكرة والذهن.
الجدل تنموي بحت يتركّز حالياً على حيثيّة التنمية المتوازنة كمفهوم، وما اعتراه من اختلالات صارخة على مستوى التطبيق هنا في المضمار السوري، ورغم أن تداول أخطاء السياسات السابقة يتكفّل باستدراكها أو التحضير لتفاديها، إلّا أن ما يقلق – ويجب أن ننتبه إليه جيداً – هو أن تأخذ الحالة شكل الاصطفافات غير الحميدة، والعودة إلى مشهد ما قبل العام 2011 ، والرضوض الحادة التي أحدثها زاعمو الليبرالية في المقصورة التنفيذية، عبر ارتجال وتجريب النظريات الاقتصادية، بتجاهل كامل للأبعاد الأخرى في يوميات المجتمع السوري بميْزاته وخصوصياته.
ولا نظن أن من الحكمة بتاتاً تقليب صفحات الماضي، واللهو باسترجاع بقايا الصور الهزيلة فعلاً في سياق حالة “الجنوح التنموي” التي استحكمت بالرِّواق التنفيذي، بعد العام 2005 حتى 2010، والإملاءات “القاهرة” التي حتّمها وهم اقتصاد السوق الاجتماعي، بل لا بد من النظر في الأفق المقبل على المديين المتوسط والبعيد.. والقريب أيضاً، فلهذا الأخير حساسيته الخاصّة.
ودعونا نتوخّى رسم خارطة مسؤوليات جديدة مجتمعيّة شاملة.. لا حكوميّة ولا أهلية، فالتنمية المتوازنة تبدو مسؤولية مجتمعيّة، وإن كانت الحكومة هي الرأس القاطر المعوّل عليه أو “مسؤول الواجهة”، والهروب من هذه الحقيقة هو حالة ارتكاس، وترسيخ للذهنية الذرائعيّة التي ابتلي بها معظمنا من تنفيذيين ورجال أعمال ومواطنين.. ولا بد إذاً أن نعيد توليف مسارات الانطلاق في التعاطي مع المستقبل قبل أن ننطلق.
نذكر أن حكومات ما قبل الأزمة – وعلى مرّ عدّة سنوات – كانت تسدّد سنوياً مبلغ 50 مليار ليرة ثمناً لموسم القمح، أي 500 مليار ليرة تقريباً في أسعار صرف اليوم، وكانت محافظات الرقة ودير الزور والحسكة صاحبة النصيب الأكبر من تلك الكتلة النقديّة الهائلة آنذاك، لتكون المفاجأة، وبعد بضع سنوات ومع بدايات جائحة الجفاف، أن مليارات الجزيرة السورية “تبخّرت”، ولم تظهر مطلقاً على ملامح لا المدن ولا الأرياف هناك، ما استوجب طرح السؤال الملح والإشكالي الذي يستفسر عن السبب.. رغم كل الألم الذي يمكن أن يتركه الجواب: هل هي الحكومة أم المواطن؟؟.
مثالنا ليس مقصوداً لذاته، لأننا كررناه مراراً- بل أوردناه لتعزيز الرأي الذي ذهبنا إليه وهو أن التنمية مسؤولية مجتمعيّة لا حكوميّة بحتة، وقد أُثير مثل هذا الجدل خلال سنوات ذروة الأزمة التي رتّبتها الحرب على سورية ، واستعر البحث في مفهوم وتطبيقات المسؤولية الاجتماعية لقطاع الأعمال.. ونحن نزيد الآن استفساراً عن المسؤولية الاجتماعية للمواطن، على الأقل تجاه نفسه وأعماله ويومياته، فالمليارات الخمسون التي كانت تُسّدد سنوياً ثمناً للقمح كانت تذهب لجيوب مواطنين منتجين، أي فلاحين وليس رجال أعمال؟!.
الآن لابد من إحداثيّات جديدة لتوزيع الأدوار والمسؤوليات، وإن كانت الحصّة الأكبر على عاتق الحكومة إلا أن لقطاع الأعمال مسؤوليته الثقيلة، وللمواطن أيضاً فالمثل الشهير يقول: ما حكّ جلدك مثل ظفرك، ونجزم بأن أهم المبادرات الحقيقية – الاستثمارية والخدمية – تبدأ من المواطن لأنه الأدرى والأعلم بالواقع، والمنابر الإعلامية كفيلة باختصار المسافات واختراق غرف الانتظار أمام من يسعى لإيصال فكرة أو صوت.
نتوقّع أن نكون قد استفدنا من دروس أزمتنا، والفاتورة باهظة الثمن التي دفعناها جميعاً، فالوقت الآن وقت عمل لا وقت جدل، لأن الأخير ينتج قفزات نظرية وليس إلّا ، ولعلّنا لسنا بحاجة لمزيد من المنظّرين اليوم.
بل نحن بأمسّ الحاجة لاستعادة الوعي الاستثماري و أدبيات التدبير الحاذق التي اتسمت بها بلدنا، كثقافة حياة بعيدة ضروب الاستعراض والإنفاق المجنون الذي سعى أصحابه لاستحضار نماذج استهلاك معلّبة ومصدّرة إلينا من بلدان تفتقر إليها لأنها لا تقبل بها كخيار حياة لمواطنيها..لقد كنّا هدفاً و وضعنا أنفسنا في مكان الإصابة بمقتل.