بين رجل أعمال و رجل أقوال..المسؤولية الاجتماعية والتنموية تكشف معادن رجال البزنس السوري….

ناظم عيد – الخبير السوري:

في حنايا هذا البلاد مفارقات تستحق المقاربة الحياديّة والموضوعية..وبعضها يتكفل باستفزاز حتى أكثر الحريصين على توخّي الهدوء إن في الطرح أو التلقّي.

سندخل مباشرة في موضوعنا الذي نراه إستراتيجياً لما يلامسه من حالة مصيريّة بالفعل، ونحن أمام تحديات ما بعد الحرب، وكم هي كبير وهائلة..إعمار .. ترميم ..تنمية..بناء و إنشاء..دعم نفسي ومعنوي ..إلى آخر سلسلة تطول وتطول.

لكننا سنبدأ بعرض طرفي المفارقة ..فالأول أن رجل الأعمال وسيم القطّان بادر باسم غرفة تجارة ريف دمشق تدعم إعادة إعمار المدارس المدمّرة بمبلغ 100 مليون ليرة سورية.

أما الطرف الثاني “الكئيب” فهو قد حصل مؤخّراً أن رجل أعمال سوري اقترض من أحد المصارف قرضاً تنموياً وتلكأ في السداد تحت ذريعة التعثر والعسرة..وفي زحمة الضجيج الذي أحدثه الرجل للحصول على إذن مغادرة بحجّة زيارة والدته المريضة في الخارج، يأتي الخبر الصاعق الذي تداولته وكالات الأنباء العالمية..فالرجل ذاته افتتح في أرمينيا، أكبر معمل لصناعة النسيج والألبسة على مستوى الشرق الأوسط ..؟؟!!

الواقع أن سيَر معاودة النهوض بعد الحروب والأزمات في هذا العالم لم تبخل علينا بالمزيد من العِبر، وإن تباينت التجارب وبيئاتها أو اختلفت الخصوصيات والمقوّمات، يبقى استنهاض “القوّة الكامنة” عبر رجل الأعمال ملمحاً مشتركاً بين الجميع، فتألّق ألمانيا بعد خسارتها الكارثيّة في الحرب العالمية ليست حالة فريدة، و خروج البرازيل من دوامات الانهيار المحققة ليس طفرة..لأنّ تجربة ماليزيا و سنغافورة و كوريا الجنوبية وسواها، كانت سلسلة تكرار لنماذج تبدو مذهلة حقّاً لكنها ليست عصيّة على الفهم، كسّرت ” فوبيا التنمية” و وشت بـ” مفاتيح لغز” لم يعد كذلك أبداً..فعلى اختلاف هذه التجارب بظروفها وحيثيّاتها تبقى “القوّة الكامنة ورجل الأعمال” هي العبرة، ليمسي السرّ في طريقة الاستنهاض واستثمار مطارح ومقوّمات القوّة.

في الحالة السوريّة تتعدد مراكز قوانا الاقتصاديّة لأننا اقتصاد متنوّع الموارد وغني بمقوّمات معاودة النهوض المفترضة، إلّا أن ثمة حلقة رئيسة، تبدو هزيلة نسبياً، ربما لن تسعفنا كفاية في توجّهنا نحو إطلاق ما بحوزتنا من قوى كامنة، وهي قطاع الأعمال الذي يعتري قوامه اختلال هائل وتفاوت في ثقافة الاستثمار على أساس الانتماء..ولعلّها معضلة حقيقيّة تحتاج إلى حلّ..وحلّها شرطاً لازماً للمصافحة الفاعلة مع المستقبل، وفق عبارة الأمل التي اخترناها في تداولاتنا الجديدة ” سورية ما بعد الحرب”.

فالدول التي نهضت من تحت الرماد لم تواجه مشكلة في الجانب المتعلّق بالمسؤوليات الاجتماعية والتنموية لمتموليها ولحائزي الحصص الرأسمالية الأكبر في قوام مجتمعاتها..بل على العكس قرأنا عن حالات لا يمكن ترجمتها إلّا في سياق التكافل البنّاء..وهي مفردة تتكرّر كثيراً في أدبياتنا الاجتماعية الموثّقة والمتداولة، لكن حضورها على الأرض لا يتعدّى الاستعراض بتقديم وجبات الإفطار للصائمين في شهر رمضان، رغم بعض الاستثناءات القليلة التي ندرك أن من الضرورة وضعها بين قوسين..

فإن غضضنا الطرف عن إملاءات الجانب الخيري التي لسنا بواردها الآن، لن يكون من اليسير، بل ممنوع تجاهل، الاستحقاق الأخلاقي والأدبي والاقتصادي والوطني أيضاً، من قائمة المطاليب التي قذفت بها خصوصية الظرف في ملعب رجال البزنس السوري، وكانت الاستجابات غير كثيرة أفقيّاً، فأمثال “القطّان” قلائل ، وأشباه المثال الثاني الذي سقناه في سردنا، كثر و منتشرون ، ولعلّ قراءة البيانات والأخبار المتدفّقة من مصر أو الأردن أو تركيا تتكفل بتوضيح حجم السواد القاتم الذي يلفّ المشهد، و إن كانت أرمينيا بلد جديد داخل على خطّ استقطاب الرساميل السوريّة الهاربة.

لعلّه الإحباط هو الذي حدا بنا للإقلاع عن تداول مصطلح المسؤوليّة الاجتماعيّة لقطاع الأعمال، واستبداله بآخر يندرج في خانة المسؤوليات أيضاً لكن بوجه آخر وهو “المسؤولية التنموية”.

ورغم أن العبارة لا تبدو ذات شعبيّة إلّا أنها إستراتيجيّة لن تستثني من عائداتها غير المباشرة، حتى أولئك البسطاء المنضوين تحت خط الفقر الأدنى في بلدنا، والذين اعتادوا ألّا يستشعرون سوى المخرجات النهائيّة للتنمية عيناً أو نقداً..

إن استعراض ” تكنيك الاستدراك” في تجارب من جرّبوا ونجحوا في محاولات الخروج من الأزمات، تؤكّد على معادلة أساسية طرفاها حكومة أو دولة بمكنة تشريعيّة رسميّة، ومبادرات رجال أعمال، وهي الشرارة التي تشعل ما يستحق الوصف بـ”الفتيل التنموي” لتفجير الطاقات الخامدة والقوى المحيّدة والمؤجلة عن الفعل الحقيقي..لكن المقلق لدينا أننا أتحنا الأولى ولم نحظى بالثانية، رغم سخاء الإجراءات التي وصلت إلى حدّ إثارة المخاوف من شبح الخصخصة..؟!!

المشكلة حقيقية وليست مجرّد فكرة جذّابة لمقال صحفي..فحصّة البند الاستثماري في قوام الموازنة العامّة لهذا العام اقتصرت على أقلّ من 30 % ، وهذا يعني أن المسؤولية التنموية باتت في عهدة قطاع الأعمال..لتأتي النتائج الاجتماعية كتحصيل حاصل تماماً كما حصل في الحالات المشابهة في الدول التي عاودت نموها من نقطة الصفر بعد أزمات اعترتها، لكنهم دخلوا بعد عدّة عقود قليلة نادي منتجي الطائرات والغواصات النووية، و حققوا فرادة على مستوى العالم في معدلات النمو..فيما ما زلنا نناور ونحاور و “نستفتي” و نحابي رجال أعمالنا ليسددوا التزاماتهم الضريبيّة وربما لن نفلح.

[ جديد الخبير ]