يبدو أن إقامة معمل العصائر وسيلة لإرضاء أصحاب الأصوات التي تتعالى سنويا لمطالبة الحكومة بإقامة معمل لإنتاج العصائر وامتصاص فائض الإنتاج واعتبار محصول الحمضيات محصولا استراتيجيا .. وكلمة استراتيجي أي أن تتولى الحكومة تسويق الإنتاج من الفلاح بسعر مجزي وفق تكاليف الإنتاج مضافا لها هامش ربح .. وطبعا هذا الأمر مستحيلا ولا يوجد في العالم نموذجا مماثلا بأن تقوم الحكومة بتسويق هكذا محصول وتتولى تسويقه.
و اعتقد أن الحل يمكن أن يكون باتجاهين ..
الأول: أن تتولى الحكومة نشر زراعة أصناف جديدة قابلة للتصنيع والتصدير .. وهذا ماكان يجب ان تفعله منذ سنوات وخاصة ان معظم غراس الحمضيات يتم انتاجها في مشاتل وزارة الزراعة .. ولو قامت وزارة الزراعة بنشر الاصناف البديلة منذ سنوات لكانت الاشجار المزروعة دخلت بطور الاثمار واصبح الآن انتاجها جاهزا للتصدير بالتوازي مع فتح المعابر الحدودية وللتسويق الى معمل الحمضيات الذي من المخطط إقامته.
والحل الثاني: ان يتم اقامة هذا المعمل من قبل القطاع الخاص بحيث يقوم المستثمر بشراء الحمضيات من المزارعين بالاسعار الرائجة وتصنيعها وتتولى الحكومة دفع الفارق السعري بين سعر الشراء وسعر بيع العصائر المكثفة الى المعمل لان تكاليف انتاجها ستكون اعلى من اسعار العصائر المستوردة .. فعندها تكون الحكومة قد دعمت كل مزارعي الحمضيات بشكل مباشر لأن قيام المعمل بامتصاص ٢٠٠ الف طن من السوق يحقق امتصاص الفائض الذي يؤدي الى تدهور الاسعار وتحقق بذلك الاستقرار السعري للمحصول وارتفاع اسعاره الى مستوى تحقيق ربح مجزي لانتاج الحمضيات .. على ان تسير الحكومة بتحقيق الحل الاول على التوازي مع الحل الثاني.
ومن المهم الاشارة الى ان تقديرات انتاج الحمضيات التي تصدر سنويا اصبحت بحاجة الى تدقيق وعلى وزارة الزراعة ان تجري احصاءا ميدانيا وليس مكتبيا تراكميا لمعرفة الانتاج الحقيقي من الحمضيات .. لان البعض يعتقد ان هناك مساحات كبيرة كانت مزروعة بالحمضيات وتم قلع بعضها لعدم اقتصادية زراعتها وهذا ماصرح به مدراء الزراعة او تم قلع بعضها بسبب التوسع السكني على الاراضي الزراعية او تم قلع بعضها بسبب استبدال زراعة الحمضيات بمحاصيل اخرى ذات عائد اقتصادي وريعية أفضل.
ويعتقد البعض الآخر ان الفائض الحالي بالحمضيات لم يعد ينتج عن الزيادة السنوية بالانتاج ضمن متوالية انتاجية متزايدة.. وانما نتيجة تراجع الكميات المصدرة الى العراق ودول الخليج والاردن وكذلك نتيجة تراجع الاستهلاك المحلي من الحمضيات بالتوازي مع تراجع الدخل ومستويات المعيشة وتراجع الامن الغذائي وكذلك بسبب وجود عدد كبير من السكان خارج القطر وبسبب تغير العادات الاستهلاكية للسكان.
لذا لا بد من البحث عن كمية الانتاج الحقيقية من الحمضيات قبل انشاء أي معمل لتصنيعها لاننا نعتقد انه في حال فتح المعابر الحدودية واعادة التصدير لن يجد المعمل الانتاج اللازم للتصنيع باسعار اقتصادية وسوف يكون انتاجه من العصائر ضعيفا وغير منافس سعريا ..
المحصلة لابد من اجراء دراسة نوعية تخصصية متكاملة لزراعة الحمضيات وانتاجها ووضع خطة متكاملة لمعالجة المشاكل التي تواجهه بمايضمن حصول المزارعين على حقوقهم ضمن رؤية بعيدة المدى واستراتيجية وسياسات واضحة يتم تحقيقها من خلال تنفيذ مجموعة من البرامج والمشاريع المتخصصة ..