وقع أحد البنوك الخاصة العاملة في السوق المصرفية السورية مع المعهد العالي لإدارة الأعمال (هبا)، مذكرة تفاهم تهدف إلى تقديم منح دراسية للطلاب المتميزين وتطوير المبادرات البحثية والعلمية لما يسهم في تحقيق غايات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية وزيادة التعاون العلمي والأكاديمي والعملي بينهما.
البنك، والذي لا نقصده بعينه، ولكن نسوقه كمثال لما يدعى بدور قطاعنا الخاص في “المسؤولية الاجتماعية”، من ضمن أهدافه المأمولة من المذكرة، رعاية عدد من الطلاب المتميزين من سنوات التخصص, وتتضمن هذه الرعاية تسديد مبالغ الرسوم السنوية كاملة, إضافة إلى إعطائهم أولوية بأن يكونوا أحد العاملين في البنك بعد التخرج في حال مناسبتهم للشواغر المتاحة حينها, كما سيتم تقديم فرص تدريبية لطلاب المعهد وفق الخطة التدريبية المعتمدة بالبنك, مع إقامة أنشطة مشتركة علمية وعملية متمثلة بمحاضرات تخصّصية وورشات العمل مع وضع كافة وسائل المعرفة العملية من تقارير وبرشورات بمتناول المعهد وطلابه.
مقاربة أولية..
والبنك نفسه وفي إعلان إذاعي يدعو ومن باب “المسؤولية الاجتماعية” للتبرع لدعم قرى الأطفال (SOS) تحت عنوان “كي يكون لكل طفل بيت دافئ”.
نشاطان على سبيل المثال، لا يسعنا إلاَّ الشكر عليهما..، ورغم تقديرنا لذلك وللأهداف الظاهرة..، لكننا نعتقد أن مثل تلك النشاطات في جوهرها، هي إعلامية إعلانية استعراضية في حيز هام منها، ولا تخلو من المنفعة ولو في إطارها الترويجي الاجتماعي، الموصل بالنتيجة النهائية للمنفعة المادية.
ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد ربط البنك فرص العمل فيه، لمن قدم منحا لهم من الطلاب بعد التخرج بـ”حال مناسبتهم للشواغر المتاحة حينها في البنك”..!. والشيء بالشيء يذكر لما لا تقوم هذه الشركة أو المؤسسة المصرفية تقديم منحا للمتميزين للتخصص في الجامعات العالمية المشهورة تحت عنوان “الاستثمار في قادة المستقبل” والتي لا يخفى ما لمثل تلك الجامعات من دور في صناعتهم، وبذلك تكون لها الريادة الفعلية في المسؤولية الاجتماعية الداخلية والخارجية وطنيا..؟.
أما بالنسبة لإعلانه التبرع لقرى الأطفال..، فكم كنا نأمل وبدلا من ذلك..، قيام البنك وغيره من فعالياتنا الاقتصادية الخاصة بتوظيفها جزء من أموالها في مشاريع تنموية تخدم ما ترفعه شعارات المسؤولية الاجتماعية تجاه مجتمعنا،..مسؤولية اجتماعية، ورغم ندرتها وتواضعها لدرجة عدم لمسها في أفعال قطاعنا الخاص..، أللهم ما كان يراد منها أهداف ترويجية تسويقية خاصة بمن يدعيها، لم نجد لها أية أثار تستحق الذكر يمكن أن تكون أو تشكل علامة فارقة في هذا العنوان على الصعيد الداخلي على الأقل..!.
ولأن البنك يعتبر بحسب ما أعلنه بأنه أول مصرف سوري يحصل على شهادة بيان أداء وفق المعيار الدّولي للمسؤولية الاجتماعية (ISO 26000)، التي أتت – ووفقا للبنك – تتويجاً لحرصه على الضّلوع بمسؤولياته تّجاه المجتمع، في شتّى المجالات، لاسيما التّعليمية والتّدريبية والإنسانية، سنحاول إسقاط ما يقوله على مفهوم المسؤولية الاجتماعية ومتطلباتها العالمية.
انتقادات..
فالمسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR) أيا كان شكلها ومجالات عملها، والمعروفة أيضا بمسؤولية الشركات تجاه المجتمع، لا تزال موضع نقاش وانتقادات واسعة، إذ يرى المؤيدون أن هناك طلبا قويا لقضية المسؤولية الاجتماعية للشركات التجارية والاقتصادية عامة..، وللشركات التي تستفيد بطرق عديدة من خلال العمل وفق منظور أوسع وأطول من آثارها المباشرة الخاصة، وأهمها تحسين الصورة الذهنية لدى جمهور المتعاملين مع الشركة سواء كانوا من الجمهور الداخليين كالعاملين والمساهمين أو الجمهور الخارجيين كالعملاء والبيئة، ويجادل المنتقدون من بوابة تصرف المسؤولية الاجتماعية للشركات استنادا للدور الاقتصادي الأساسي للشركات، حيث يرى البعض أن دورها ليس أكثر من نافذة سطحية مزينة، و يقول آخرون: إنها محاولة لاستباق دور الحكومات كرقيب على الشركات القوية متعددة الجنسيات.
وقد عرف مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة المسؤولية الاجتماعية: أنها “الالتزام المستمر من قبل شركات الأعمال بالتصرف أخلاقياً والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والعمل على تحسين نوعية الظروف المعيشية للقوى العاملة وعائلاتهم، والمجتمع المحلي والمجتمع ككل”.
دون معالجة
ونظرا لأن المسئولية الاجتماعية للشركات أصبحت وثيقة الصلة بالسوق في وقتنا الراهن بعد تزايد الاهتمام بالجوانب الاجتماعية، ونظرا لما يمكن للمسؤولية الاجتماعية للشركات أن تساعد فيه من زيادة الثقة في مجال الأعمال والتعامل مع التحديات المجتمعية وفي نفس الوقت تحقيق نتائج رابحة، فإن كل ما تقوم به الشركات، أيا كان حجمها أو مجال عملها، طواعيةً من أجل تعظيم قيمتها المضافة للمجتمع ككل، يجب أن تنطلق من التزامها بالقوانين المختلفة، وخاصةً ما يتعلق منها بحقوق العاملين، والحفاظ على البيئة، وتنمية المجتمع.
ومع ذلك، فنظرة فاحصة على الممارسات الحالية في منطقتنا عموما تشير إلى أن المسؤولية الاجتماعية للشركات لا تزال مرادفا للأعمال الخيرية بالنسبة لمعظم الشركات، وتبقى المجالات الرئيسية المطلوب التركيز عليها دون معالجة، فمثلا وبحسب للبنك الدولي، المسؤولية الاجتماعية للشركات هي التزام الشركة بإدارة وتحسين الآثار البيئية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن أنشطتها. فمن الناحية البيئية تملك الدول العربية حاليا ما يربو على 60% من احتياطي النفط العالمي، ولكن تملك 0.5% فقط من الموارد المائية العذبة المتجددة..، والمعنى أين مسؤولية الخاص من مشاريع إدارة مواردنا المائية في المنطقة عموما وسورية خصوصا..؟.
تلميعا لصورتها
فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة عالمية حول الأنشطة الأكثر شيوعا تحت مسمى “المسؤولية الاجتماعية للشركات..” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن 25% من نشاط تلك للشركات تكون في مجال توفير الغذاء أو الملابس للفقراء، و13% منها للعمل مع الأيتام و الأطفال المحرومين..، أما الأنشطة التي تهدف إلى التخفيف من الظروف البيئية والتعليمية والطبية في المنطقة بشكل واضح فلا تشكل أولوية للشركات، وخلصت الدراسة إلى أن الشركات في المنطقة المدروسة، لا تزال تنظر إلى المسؤولية الاجتماعية للشركات كوسيلة لتعزيز صورتها العامة، وليس كأداة لإعداد المنطقة من أجل مستقبل مستدام
ومن هذا المنطلق تبنى الاتحاد الأوروبي إستراتيجية وأصدر قوانين تزاوج بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة والتنمية المستدامة، إلى جانب تنوير العميل لكي يساعد الشركات التي تلتزم بتلك المعايير، وتبنى شعار الوردة لكي ترسخ الصورة في أذهان السكان.
بونا شاسعا
ولا نجافي الواقع إذا قلنا إن البون شاسع بيننا وبين الدول المتقدمة فيما يتعلق بممارسة الشركات الوطنية لمسؤوليتها نحو المجتمع ونحو موظفيها وتبنيها كإستراتيجية تصب في خدمة الاقتصاد الوطني، فشركات وطنية كثيرة تعتمد في إنفاقها تجاه المسؤولية الاجتماعية على أريحية مديرها أو صاحبها وهي لا تعين نسبة من أرباحها لتبني المسؤولية الاجتماعية مما يجعل إسهامها فرديا وفي معظم الأحيان وفق مناسبات معينة، وبالتالي يتدنى إسهام الموظف في تفعيل عملية التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة، ويتأخر دور الشركات والمؤسسات الوطنية عما تقوم به نظيراتها في الدول المتقدمة، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال تشكل الجمعيات غير الربحية عاملا فاعلا في خدمة الناتج المحلي للاقتصاد الأميركي.
إن قيام الشركات بدورها تجاه المسؤولية الاجتماعية، يضمن إلى حد ما دعم جميع أفراد المجتمع لأهدافها ورسالتها التنموية والاعتراف بوجودها، والمساهمة في إنجاح أهدافها وفق ما خطط له مسبقاً، علاوة على المساهمة في سدّ احتياجات المجتمع ومتطلباته الحياتية والمعيشية الضرورية، إضافةً إلى خلق فرص عمل جديدة من خلال إقامة مشاريع خيرية واجتماعية ذات طابع تنموي.
سؤال ملح
وعليه فالسؤال الذي يطرح نفسه: إلى أي مدى يلتزم قطاع أعمالنا الخاص بذلك..؟، وهل ما يقوم به إن كان هناك ما يلتزم به من نشاطات..؟، يرقى لتلك المسؤولية..؟، وهل هناك أية معطيات مادية رقمية ومالية تدلل على هذا النوع من المسؤوليات..؟. نسأل في ضوء المؤشرات الملحة المطالبة بتنفيذ تلك المسؤولية الاجتماعية.. وأكثر من أي وقت مضى..!.
قسيم دحدل