جهات “تأكل الدجاج وأخرى تقع في السياج”..تقييم أهوج لأداء مؤسساتي أعرج..؟؟!!

 

يثير عدم حسم مسألة التشابكات المالية بين الجهات العامة المزيد من إشارات استفهام تحمل في طياتها بشكل أو بآخر أوجه فساد إداري ومالي، تشير ببنانها لثلة من المستفيدين المتلطين وراء المحاولات الرخوة للمطالبة بمستحقات مالية من جهة ما لصالح زميلتها التي ربما تكون أكثر ديناميكية بالعمل وأحوج لكل ليرة من غيرها لتأمين خدمة ما أو سلعة ما، لاسيما في مثل هكذا ظروف لا تخفى على القاصي والداني..!.

بالطبع لا نقصد بالحسم إصدار قانون ينهي هذه التشابكات على مبدأ “عفى الله عما مضى” وإنما وضع حد لهذه المسألة، والتي باتت على ما يبدو أشبه بمسلسل غير منتهي الحلقات، بمعنى إلزام كل جهة بتسديد ما عليها من مستحقات مالية وعدم التهاون مع هذه المسألة مهما كان الثمن حتى لا تتكرر كما جرت العادة، إذ سبق وأن تم إصدار القانون رقم /47/ لعام 2003 لمعالجة التشابكات المالية، وحالياً تنتظر الجهات المدينة إصدار قانون جديد لهذه الغاية..!.

أرباح وهمية

ونعتقد أن غياب تقييم أداء مؤسسات وشركات القطاع العام، هو العامل الأبرز والمُنشِط لهذه التشابكات، والتي ما فتئ روادها من التحايل عبر الحسابات المالية لإظهار ربحية وهمية لهذه المؤسسة أو تلك الشركة، وفق تأكيد بعض المصادر الحكومية التي ركزت على ضرورة مراجعة ميزانيات المؤسسات والشركات بشكل أساسي لمعرفة قيمة أرباحها الحقيقية.

وأشارت المصادر إلى أن عدد من المدراء العاميين يسوقون لأرباح وهمية لمؤسساتهم غير الرابحة بالأصل وفق حسابات الميزانية الختامية للمؤسسة، على اعتبار أن نفقاتها أكبر من إيراداتها، فعلى سبيل المثال يورد بعض المدراء أمام رؤسائهم أن قيمة شراء سلعة ما بلغ 10 مليون ليرة سورية، وتم بيعها بـ 12 مليون، أي أن قيمة الربح الصافي من هذه العملية هو 2 مليون، لكنهم في حقيقة الأمر يخفون ما يلحق بها من نفقات إدارية ورواتب وأجور، فتكون المؤسسة في نهاية المطاف خاسرة لدى حساب الميزانية الختامية لها…!.

الأصول المغيبة

وفي هذا السياق يرى المختص بالإدارة الاقتصادي الدكتور زكوان قريط أن القياس الدقيق لأداء أية مؤسسة عامة، يستوجب بالضرورة معاينة مستوى أداء هذه المؤسسة، لاسيما من جهة حساب قيمة موجوداتها وأصولها الثابتة خاصة الأرض والتي هي في حالة ارتفاع دائم، إلى جانب حساب المصاريف المترتبة عليها نتيجة التشابكات المالية بينها وبين المؤسسات العامة الأخرى وتصفيتها كفواتير الكهرباء والهاتف وغيرها من التراكمات، حتى يتم الوقوف على الوضع المالي لهذه المؤسسات، وبالتالي معرفة حقيقة إن كانت خاسرة أو رابحة.

إلى جانب ما سبق نعتقد أن الحل الأمثل لتحسين مستوى الأداء يتمثل بضرورة تعديل مراسيم إحداث هذه المؤسسات بما يتماشى مع الواقع الراهن والمنافسة الحقيقية مع القطاع الخاص، بحيث تمنح المؤسسات الاقتصادية التجارية والصناعية الاستقلالية في ميزانياتها، وأن تتعامل بمنطق الربح والخسارة مثلها مثل أي تاجر، لأن استمرار العمل بالأنظمة الحالية في ظل المنافسة الشديدة للقطاعات الأخرى يزيد من تراجع أدائها ويوقعها في مآزق مالية لا يمكن أن تستمر.

بتر

ولعل لغة الأرقام وتأثيرها على المشهد العام لسيرورة العمل الحكومي، تعطي مؤشراً يستوجب معه بتر التشابكات المالية إلى غير رجعة، فإذا ما علمنا أن ديون المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية على الجهات العامة وصلت إلى أكثر من 224 مليار ليرة، وكذلك الأمر بالنسبة للمؤسسة العامة للتجارة الخارجية التي بلغت مديونيتها أكثر من 35 مليار وفقاً لبعض التقارير التي حصلت “البعث” على نسخة منها، وأيضاً نحو 600 مليار لصالح المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الطاقة الكهربائية وفقاً لبعض التقديرات، فإننا نعتقد أننا أمام إشكالية كبيرة ربما تنذر بأزمات مالية لمؤسسات إستراتيجية لها وزنها في الخارطة الاقتصادية والخدمية.

الصالح والطالح

كما أننا لا نستبعد خلو هذا الوضع المتشابك من الفساد لاسيما من جهة تواطؤ البعض من الدائن مع البعض من المديون، ما يعني بالنتيجة ضرورة حسم هذا الملف، وذلك بغية إعطاء زخم لعمل هذه الجهات، وإطلاق نشاطها لمنافسة القطاع الخاص من جهة، ولإظهار حقيقة الخلل الحاصل في أداء بعض الجهات المدانة وتقصيرها وعدم خلط الأوراق، ليذهب عمل الصالح بالطالح من جهة ثانية، وبمعنى آخر لا يجوز أن تتحمل الجهة الرابحة زميلتها الخاسرة وتضيع بالنهاية محاسبة المقصر. وإذا ما حاولنا مقاربة هذا الكلام وإسقاطه على المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية التي يراهن على دورها في الاستثمار في عدد من القطاعات الاقتصادية والخدمية، فإن مستوى ديونها قد ينعكس بالنتيجة على خططها الاستثمارية التي تصب في النهاية في خدمة الخزينة العامة للدولة، والأهم من ذلك أن مؤسسة التأمينات تعتبر الضامن الاجتماعي للمتقاعدين، وهي تضطلع نهاية كل شهر بمهمة تأمين رواتبهم المستحقة، لذلك يفترض أن تكون بمنأى عن أية إشكالية مالية مهما صغرت أو كبرت. ولعل ما ينطبق على مؤسسة التأمينات ينطبق على جميع الجهات الدائنة..!.

حسن النابلسي

[ جديد الخبير ]