يفترض أن تحقق عملية إعادة الإعمار في إطارها النهائي النهوض بواقع التنمية المستدامة، وانعكاسها في المحصلة على الواقع المعيشي والاجتماعي بالدرجة الأولى، ويتطلب هذا وضع رؤية تترجم إلى أهداف وسياسات تنبثق عنها خطط تنفيذية على أرض الواقع، ما يعني بالضرورة الاستثمار الأمثلَ للموارد البشرية والمادية المتاحة وإدارة فعالة وكفوءة على المستويات كافة، وهذا يصل بنا إلى أولوية أن يكون لدى الدولة بناء مؤسساتي قوي وقادر على مواجهة متطلبات هذه العملية.
ولعل استعراض بعض تجارب إعادة الإعمار في الدول التي عانت من الحروب والكوارث، يمكننا من الوقوف على بعض حيثيات ما يجب العمل عليه، لاسيما من جهة نجاح هذه الدول بإعادة هندسة بنيانها المؤسساتي على أسس جديدة تقوم على الشفافية ومكافحة الفساد، وتبني نهج اقتصادي يقوم على رؤى واضحة استطاعت من حلالها تحقيق إشراقات متميزة في إعادة الإعمار.
ويعرض لنا الخبير الإداري الدكتور حسين إبراهيم تجربتي اليابان وألمانيا في إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى تجربة العراق التي فشلت في إعادة بناء بنيانها المؤسساتي على النحو التي يرسخ العدالة والاستقرار وبالتالي فشلها بإعادة الإعمار.
تحولات
ويبين إبراهيم أن من أهم السياسات ذات الأولوية التي ركز عليه اليابانيون، كانت إصلاح التعليم وكتب التاريخ والمناهج الدراسية، ومما توافق عليها اليابانيون آنذاك هو أن الأمة خسرت الحرب… لكن المدارس لم تفقد استحواذها على الطلاب، إلى جانب إلغاء السياسات العقابية واعتماد سياسة الإصلاح وإعادة البناء، والإسهام في إدارة شؤون العمل وغيرها، معتبرة أن هذه التطورات والتحولات العميقة في البنيان المؤسساتي هيأت الفرصة لليابان للاستفادة من تغاير نهج الولايات المتحدة تجاهها بسب التحديات التي فرضاتها الحرب الباردة. مما مكن اليابان من انتشال اقتصادها من بارثن الكساد محققة نموا في الناتج القومي بلغ في المتوسط حوالي 10% خلال الفترة ما بين الاستقلال في عام 1952 وحتى أزمة النفط في عام 1973، وهذا ما انعكس على تحقيق حالة من الازدهار والرخاء عمت اليابان خلال تلك الفترة بسبب التدابير الصارمة التي اتبعتها الحكومة للارتقاء بأدائها ومكافحة الفساد وتكريس الشفافية.
تساؤل..؟
وفيما يتعلق بالتجربة الألمانية بين إبراهيم أنه وبعد أن حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وأوصلت ألمانيا إلى دولة بالا مؤسسات ولا مرافق ولا اتصالات ولا مواصلات ولا كهرباء ولا منافذ لبيع الغذاء والدواء، وبعد أن فقدت ألمانيا ربع منازلها وانخفاض إنتاج الغذاء بمقدار النصف عما كان عليه قبل الحرب، كانت المفاجأة أن ألمانيا استطاعت بعد أقل من عقد من الزمن أن تكون صاحبة أكبر وأقوى اقتصاد في أوروبا ورابع أكبر اقتصاد على مستوى العالم، طارحاً سؤالا.. هل تحقق هذا بفعل مشروع مارشال الذي تبنته الولايات المتحدة لإعمار أوروبا؟.
وأجاب إبراهيم مؤكداً أن الخبراء الذين قيموا تلك المرحلة من تاريخ ألمانيا يرون أن خطة مارشال رغم أهميتها لم تقدم لألمانيا الغربية سوى قدر محدود من المساعدة، فبحلول عام 1954 لم يكن إجمالي ما قدمته خطة مارشال وبرامج المساعدات الخارجية المصاحبة يتجاوز الـ 2مليار دولار، مع ملاحظة أن المساعدات الخارجية كانت تقدم بيد، في الوقت الذي كان يجرى استنزافها باليد الأخرى عبر ما يسمى بتعويضات خسائر الحرب التي فرض على ألمانيا تقديمها سنويا لدول الحلفاء.
معجزة اقتصادية
فالواقع أن نجاح ألمانيا في تحقيق معجزتها الاقتصادية يرجع إلى تبنيها لنهج اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي طرحه وزير اقتصادها في عام 1948 Ludwing Erhard القائم على تبني قواعد السوق الحرة مع الحفاظ على حقوق المجتمع والعمال، فالدولة وفقا لهذا النهج مسموح لها التدخل بالحدود التي تمكنها من تحفيز النشاط الاقتصادي ووضع سياسات تضمن بيئة تنافسية بعيدة عن الاحتكار ووضع سياسات اجتماعية لحماية الفرد والعمال. مما أسهم في تحفيز المجتمع على إقامة شركات مساهمة للإنتاج وإعادة الإعمار بالتعاون مع المصارف، فظهرت شركات كبرى مثل مرسيدس وفولكس فاجن وشركات الحديد والصلب ..الخ، وقد تم ربط الشركات الكبرى بشركات أصغر، وبمشروعات صغيرة ومتناهية الصغر تقدم خدماتها ومنتجاتها للشركات الكبرى الأم، وهذا بدوره ساعد على ازدهار هذه المشروعات وتحولها لاحقاً إلى شركات متوسطة تستوعب الكثير من الأيدي العاملة حيث أصبحت الشركات المتوسطة أبرز مولد لفرص العمل في البلاد.
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن النجاح الباهر التي حققه نهج السوق الاجتماعي، والذي شكل منعطفا كبيرا في تاريخ ألمانيا، مما جعله يحتل مكانة متميزة في تاريخ العلوم السياسية والأدبيات الاقتصادية، ما كان ليتحقق لولا الالتزام الجاد بنصوص القانون الأساسي التي تم اعتماده في عام 1949 الذي وضع ركائز النظام السياسي والقانوني للدولة، وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أن أولوية الإصلاح الاقتصادي في ألمانيا بعد الحرب، لم تكن على حساب مسارات الإصلاح المؤسساتي التي تم العمل عليها بالتوازي دون أن يتقدم أحدها على الآخر، مما أسهم في عودة ألمانيا السريعة كإحدى أهم الدول على المسرح العالمي.
سكة كارثية
وفيم يخص تجربة العراق فقد كان الأخير -في خلال فترة السبعينيات- مصنفا ضمن الدول ذات الدخل الفردي المتوسط الواقعة في الشريحة العليا والمرشحة للانتقال إلى الدول ذات الدخل المرتفع وكانت لديه فوائض مالية ضخمة قدرت بأكثر من 35 مليار دولار، ولو تسنى للاقتصاد العراقي النمو خلال العقود التي تلت، لكان بحسب تقديرا الخبراء الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز في عام 2007 الـ 400 مليار ومتوسط نصيب حوالي 15000 دولار سنويا، لكن الحروب التي عانى منها العراق منذ الحرب العراقية الإيرانية في نهاية السبعينات وانتهاءا بالغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 ولأسباب تتعلق بالحصار التي فرض على العراق، هذا كله وضع العراق على سكة كارثية أخرى، فبحسب تقديرات بعض الخبراء تجاوزت الفرصة الضائعة للعراق بسب الحروب والدمار حتى تاريخ عام 2007 الـ1600 مليار دولار، ناهيكم عن الخسائر الأخرى في البنى التحتية والأملاك العامة والخاصة التي تجاوزت مئات المليارات من الدولارات.
وفي محاولة لإعادة الانطلاق من جديد، تبنى العراق إبان الغزو الأمريكي في عام 2003 برنامجا لإعادة الإعمار بتكلفة أولية قدر بحوالي 19 مليار دولار كمرحلة أولى، ولكن هذا البرنامج وغيره من خطط واستراتيجيات أقرت خلال السنوات اللاحقة، والتي كان آخرها خطة التنمية الوطنية 2010 – 2014 لم تحقق المستهدف منها، والسب يعود إلى البنية المؤسساتية الهشة التي عانى منها العراق وما يزال، فعدم تمكن العراقيين من إعادة صياغة بنيانهم المؤسساتي، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار وإعادة اللحمة الوطنية واستقطاب الخبرات والاستثمارات الخارجية أدى إلى فشل جهود إعادة البناء والإعمار في العراق بصورة مؤلمة.
وما يهمنا من تجربة العراق –حسب إبراهيم- هو أن عدم تمكن العراقيين من تجاوز المحنة والانطلاق نحو بناء دولة المؤسسات كان وما يزال يمثل التحدي الأبرز الذي يواجه العراق، فمصير العراق أرضا وشعبا ودورا مرهون في قدرته على إعادة بناء دولته على أسس ترسخ العدالة والثقة المتبادلة بمكوناته، وبما يرتقي بالأداء في مؤسساته ويحد من الفساد ويعزز الشفافية. ما يدلل على أنه ليس من خيار أمام الدول التي دمرتها الحروب لإعادة انبعاثها من جديد لتأخذ دورها الطبيعي بين الأمم، ومن بينها بالطبع العراق، سوى إعطاء عملية الإصلاح المؤسساتي الأولوية القصوى التي تستحق والسير على هذا الدرب الصعب مهما بلغت الأهوال والتضحيات.
الركن الأهم
وبالنتيجة ما تقدم يظهر بما لا يدع مجالا للشك أن الإصلاح المؤسساتي يبقى الركن الأهم في عملية إعادة الإعمار للدول التي عانت من الحروب والدمار، مهما اختلفت ظروف هذه الدول، وهو الطريق الوحيد الذي لا بد من سلوكه لبناء الدولة القوية العادلة. ما يعني أن عدم إعطاء عملية الإصلاح المؤسساتي الأولوية كإحدى أهم مسارات عملية إعادة الإعمار في بلدان ما بعد الحروب يعد قفزا في المجهول ومجازفة قد يكون لها تداعياتها السلبية الكبيرة على عملية الاستقرار والتنمية وعلى مستقبل تلك الدول برمته. وأشار إبراهيم إلى أن الساحة السورية تزخر بالكثير من الكوادر في مجال الإدارة العامة وإدارة الإعمار، وما نحن بأمس الحاجة إليه هو التوظيف الكفء لهذه الكفاءات وإعطائها الفرصة الحقيقية للإسهام في تطوير الواقع المؤسساتي في سورية على مختلف مساراته، ليكونوا بذلك حاملا لهذا المشروع، خلال المرحلة القادمة.
حسن النابلسي