حسم المنازعات البحرية يشعل فتيل تنازع بين وزارتي النقل والعدل..

دمشق – الخبير السوري:

يفتقر حسم المنازعات البحرية المتعلقة بحوادث السفن في مياهنا الإقليمية لعدم  وجود جهة قضائية متخصصة تعمل على الارتقاء والنهوض بالتجارة والصناعة البحرية، على اعتبار أنها الركيزة الأساسية وعصب النهوض بالاقتصاد الوطني، وذلك من خلال توفير المناخ القضائي الذي يحكم هذه التجارة البحرية، وبحسب رأي مدير التفتيش البحري بمديرية الموانئ البحرية المهندس علاء صقر فإن توفير هذا المناخ القضائي البحري المتخصص يستلزم وجوب إنشاء محاكم بحرية متخصصة، كي تسهم بشكل كبير في تحديث الصناعة البحرية عن طريق سرعة الفصل في القضايا والمنازعات البحرية والحكم فيها من قضاة متخصصين ملمّين بجميع القوانين والمعاهدات البحرية النافذة.

بطء إجراءات

لعل أبرز مأخذ على حسم المنازعات البحرية هو البطء في إجراءات القضاء وإطالة أمد التقاضي الأمر الذي يربك حركة التجارة البحرية ضمن مياهنا الإقليمية ما يستدعي بالضرورة سرعة البتّ في المنازعات البحرية التي قد تكون أحياناً ذات قِيَم عالية يجعل هذه المنازعات بحاجة إلى وسائل بديلة تقدّم السرعة اللازمة لبتّ هذه المنازعات لتقليل الخسائر، وهنا يعتبر البعض أن التحكيم في المنازعات البحرية لاسميا من جهة تنفيذ العقود البحرية بأنواعها كافة، هو وسيلة ارتضاها المجتمع الدولي والعاملين في هذا المجال لتسوية هذه المنازعات بعيداً عن سلطة المحاكم العادية، خاصة وأن تسوية المنازعات البحرية تأخذ عدة أشكال منها المفاوضات والوساطة والتوفيق والتحكيم.

اللافت الذي يمكن الحديث عنه في هذا الملف هو ما اقترحته وزارة النقل بحيث يتم العمل على إعداد مشروع قانون بالتنسيق مع وزارة العدل لإحداث محاكم بحرية متخصصة بالنقل البحري للحدّ من الممارسات غير المشروعة في مجال النقل البحري من “إصابات عمل على ظهر السفينة – خلافات بين ربابنة السفن والبحارة من جهة وبين مستأجري هذه السفن من جهة أخرى وغيرها من نزاعات”.

تحفظ وضرورة

إلا أن المستغرب وبموجب المذكرة التي رفعتها وزارة العدل لرئاسة مجلس الوزراء حول إحداث محاكم بحرية، هو تحفظ وزارة العدل على وجود هذه المحاكم، موضحة أن قضايا النقل البحري تحلّ في محاكم البداية المدنية في كل من اللاذقية وطرطوس، وهي مختصة ومكلفة النظر في القضايا البحرية. وفي هذا السياق نشير إلى أن هذه المحاكم تستعين بخبراء من خارج الاختصاص..!.

من جانبها ترى وزارة النقل ضرورة إحداث هذه المحاكم، وتعتبر في مذكرة لها رفعتها إلى رئاسة الحكومة أن الآلية المتبعة في إدارة وحل مشكلات وقضايا النقل البحري خاطئة، وحسب المذكرة التي أعدتها الوزارة فإن جميع القضايا الخاصة بالنقل البحري تحال إلى محاكم البداية المدنية، حيث تقوم المديرية العامة للموانئ بتنفيذ قرارات الحجز الاحتياطي التي تصدرها المحاكم بحق السفن لمصلحة الجهات العامة أو الخاصة نتيجة لحدوث نقص أو ضرر أو تلف في البضاعة، ما نتج عن حدوث عدة قضايا وجدت فيها المديرية أن المبالغ المطالب بها في تلك القرارات مبالغ فيها لدرجة لافتة للنظر، ومدعاة للتساؤل، وأن هذه المبالغة في المطالب وإن كانت تحدث بين فترة وأخرى إلا أنها كانت تعطي انطباعاً سلبياً عن الموانئ والمحاكم السورية أمام العاملين في مجال القطاع البحري داخل القطر وخارجه.

كما تشير المذكرة إلى موضوع تقارير الخبرة التي لا ضابط لها وتأخذ بها المحاكم، وهي من الأسباب الرئيسية التي تجعل العديد من القرارات القضائية مبالغاً فيها وغير منطقية، وعلى أساسه تصدر المحكمة الناظرة في الدعوى قراراً بإلقاء الحجز الاحتياطي على السفينة ومنعها من السفر إذا لم تؤمّن كفالة نقدية أو مصرفية تضمن الحق المدعى به، إضافة إلى قيام بعض المحامين بالاحتفاظ بقرار الحجز الاحتياطي بحق السفينة دون تبليغه إلى وكيل السفينة حيث يعمدون إلى تقديمه للمديرية العامة للموانئ قبل ساعات قليلة من مغادرة السفينة للمرفأ، والغاية هي الضغط على أصحاب السفينة للوصول إلى تسوية سريعة وغير عادلة وفي حال حصول التسوية يكون الحجز بمنزلة عقوبة لأصحاب السفينة .وبما أن حجز أي سفينة سيلحق بها خسائر فادحة لارتباطها بجدول إبحار معين فإن مالك السفينة يضطر إلى التفاوض مع الجهات المدعية، وتسديد أي مبالغ تطلبها مقابل تراجعها عن قرار الحجز، هذا بالنسبة للقرارات القضائية التي تصدر بحق السفن لاحتمال وجود نقص أو ضرر في البضاعة.

كما بيّنت المذكرة أن هناك قرارات حجز قضائية تصدر لمصلحة عمال المرافئ الذين يلجئون إلى القضاء بهدف الادعاء بإصابتهم على ظهر السفينة ويعملون على تقديم تقارير طبية مبالغ بها، فتصدر لهم المحكمة قرارات حجز لقاء مبالغ كبيرة ما يضطر مالك السفينة أو وكيله للتفاوض مع ذلك العامل للرجوع عن ادّعائه.

دواعي

الخبير البحري الدكتور محمد سعيد أكد أنه من دواعي إحداث هذه المحاكم  هي ندرة الاختصاصيين بهذا المجال من القضاة المختصين في المنازعات البحرية، إضافة إلى تقصير أمد المنازعات والقضايا البحرية في القطر مع إصدار الأحكام في جميع القضايا والمنازعات البحرية من القاضي المتخصص المدرك والملمّ بكل النواحي والمعاملات البحرية والتجارة البحرية الدولية، وكذلك الدراية بجميع المصطلحات والمستندات البحرية المتخصصة باللغتين العربية والانكليزية، فضلاً عن الحدّ من صدور قرارات الحجز على السفن التي يصفها بعض ملاك السفن والعاملين في مجال النقل البحري بالاعتباطية والمتسرّعة بسبب عدم وجود خبرات بحرية متخصصة /حوادث بحرية – حوادث تصادم – حوادث تلوث . الخ/، فضلاً عن العمل على إيجاد آليات جديدة لانتقاء الخبراء البحريين المؤهّلين والملمّين بالقوانين والاتفاقيات البحرية.

وأوضح سعيد أن جميع القضايا البحرية والدعاوى تنظر حالياً أمام محكمة البداية المدنية في اللاذقية وطرطوس، وهذه المحاكم لديها آلاف الدعاوى بمختلف الاختصاصات ما يؤدّي إلى تأخير في صدور القرارات المتعلقة بالسفن مع التنويه إلى أن القضايا البحرية لا تتحمل التأخير، الأمر الذي يترتب عليه أعباء وخسائر مالية فادحة بحق ملاك السفن أو مستأجريها.

 سلبيات

عضو غرفة الملاحة البحرية  حسين الجندي بين  انه من الضروري إحداث محاكم بحرية من شأنها التسهيل والإسراع في حل المشكلات التي تعترض عمل بعض السفن والبواخر التي تتعرّض إلى حوادث وغيرها من المشكلات الأخرى، معتبرا أن المحاكم الحالية المعنية في القضايا البحرية غير خبيرة وغير متخصصة وأنه من  المفترض على الأقل أن يكون الخبير في القضايا البحرية لديه شهادة دولية في القضايا البحرية “ربان عامل قانوني” وأن يكون لدى القاضي خلفية قانونية بحرية ولديه دراية بشروط الشحن وإلمام بالقوانين البحرية العالمية.

مؤكدا أن من أهم سلبيات عدم إحداث محاكم متخصصة بمشكلات النقل البحري، إصدار الأحكام في جميع القضايا والمنازعات البحرية من قاضٍ غير متخصص، بل من قاضٍ عادي غير متخصص بالفصل بين القضايا المدنية والجنائية والتجارية والعمالية في الوقت ذاته، فيحدث أن ينظر القاضي في القضايا التجارية ثم بعد ذلك القضايا المدنية ثم العمالية، وهو أمر شاق جداً ومرهق للقاضي ومن الممكن أن يؤثر تأثيراً سلبياً في الفصل في القضايا والمنازعات، موضحاً أن الأسلوب المتّبع حالياً يؤدّي إلى إطالة أمد المنازعات والقضايا التي تمتدّ حالياً لمدة من سبع إلى عشر سنوات مع إدراجها في القضايا التجارية العادية التي تتسم بالكثافة من حيث العدد المنظور أمام المحاكم التجارية.

محمد زكريا

[ جديد الخبير ]