“الاستثمار الوقح” يستحكم بتوجهات الرساميل السورية المقيمة…نزوع مريب نحو الريعية ونأي عن قطاعات التنمية الحقيقية في زمن “العوز التنموي”…!!

 

دمشق- الخبير السوري:

بات غياب الحركة الاستثمارية الفعلية ذات الطابع الإنتاجي الحقيقي عن المشهد الاقتصادي، ظاهرة تشي بوجود مصالح ضيقة استأثرت بالحصة الأكبر من الكعكة الاقتصادية، حيث آثر رواد هذه المصالح التوجه إلى اقتناص فرص الاستثمار الحكومي ذات الطابع الخدمي والاستهلاكي، على نظيراتها الإنتاجية، وأقبلوا بلهفة المتعطش للثروة على فرص استيراد السيارات، وفرص التهرب من الضرائب، إلى جانب فرص التصدير الوهمي الذي تجلى بوضوح خلال سنوات الأزمة، كل ذلك انعكس على النشاط الاقتصادي الحقيقي ونواته الإنتاجية، ليشل بالمحصلة قدرات المنافسة والتصدير.

لابد من انطلاقة

سبب تراجع الاستثمار وما رافقه من ضعف العمالة وتردي أجورها، وتدني الطلب على السلع والخدمات ركود اقتصادي أثر بالمجمل على العملية الإنتاجية ومخرجاتها الكفيلة بتحقيق معدلات نمو يعوّل عليها في مثل هذه الظروف، ما بات  يستدعي جهد حكومي استثنائي عله يستطيع النهوض ولو بالحد الأدنى باستثمارات تسعف ما انتاب العجلة الإنتاجية من ارتكاسات، وتصنع نقطة انطلاقة جديدة لها باتجاه نهضة تمهد لإعمارنا المرقب، وفي هذا السياق لم ينكر مصدر مسؤول في هيئة الاستثمار السورية سوداوية واقعنا الاستثماري، داعياً إلى ضرورة البدء بالمعالجة من خلال اعتماد سياسة جدية لتحفيز الاستثمار وزيادة الطلب الحقيقي على السلع والخدمات المنتجة داخلياً وخارجياً، معتبراً أن هذه المعالجة بداية الطريق لتحريك الاقتصاد وإنهاء حالة الركود، فالاستثمار يلعب دورا أساسيا في الحياة الاقتصادية باعتباره عاملا محددا للنمو الاقتصادي وتطوير الإنتاجية، ويشكل عنصرا ديناميكيا فعالا في الدخل القومي.

بين الفرد..

تختلف محددات الاستثمار بين الأفراد والمجتمع ففي حين تتمحور دوافع الأفراد حول الربح، تتوزع دوافع المجتمع بين دوافع اقتصادية وسياسية واجتماعية، وهنا يوضح الدكتور حيدر عباس من جامعة دمشق أن المستثمر الفرد يقدم على الاستثمار حين يعتقد أن استثماره سيكون مربحا وله عوائد تتوزع على عدد من السنوات، وهذا ما يخلط أوراق توقعات المستثمر لأن قيمة الأرباح المحققة في المستقبل القريب تكون أكبر من الأرباح المحققة في المستقبل البعيد حتى وان كانت له نفس القيم السنوية، أي أن مقارنة الأرباح الإجمالية مع تكلفة المشروع الاستثماري ستكون على درجة من الصعوبة وتستوجب حساب القيمة الحالية للدخول المتحققة خلال زمن، ويضيف عباس فالاستثمار الأفضل بالنسبة إلى مستثمر فردي هو الذي يعطيه أعلى ما يمكن من الربح.

..والمجتمع

أما بالنسبة إلى المجتمع ممثلا بالدولة فان الاستثمار الأفضل –حسب عباس- هو الذي يساهم أكثر في القيمة المضافة والعمالة والتصدير، وهذا يستدعي وجود سياسة حكومية واضحة لتشجيع بعض الاستثمارات دون غيرها، فالمجتمع كما يرى عباس يتحدد الاستثمار فيه وفق مبدأ الكفاية الحدية الاجتماعية التي تتوقف على مدى ما يقدمه المشروع للمشاريع الأخرى وما يحققه من قيمة مضافة وما يستخدمه من مواد أولية محلية، وما يوفره من فرص عمل، وتحدد الطريق المناسب للسياسة الاقتصادية من اجل الوصول إلى الكفاية الحدية الجماعية القصوى.

توافق

لاشك أن من أبرز العوامل التي تساهم في تشجيع الاستثمار هو وجود سياسة اقتصادية ملائمة تتسم بالوضوح والاستقرار من جهة، وتنسجم مع القوانين والتشريعات من جهة ثانية، ويؤكد مصدرنا في الهيئة ضرورة توافق القوانين ضمن إطار محدد من السياسة الشاملة، فالاستثمار يحتاج إلى سياسة ملائمة تعطي الحرية ضمن إطار الأهداف العامة للقطاع الخاص في الاستيراد والتصدير وتحويل الأموال والتوسع في المشاريع، مركزاً على وجوب أن تكون هذه السياسة مستقرة ومحددة وشاملة، وهذا يعني أن تشجيع الاستثمار لا يتحقق في قانون حتى ولو احتوى الكثير من المزايا والإعفاءات والاستثناءات، بل يتحقق نتيجة جملة من السياسات الاقتصادية المتوافقة التي توفر مستلزمات الإنتاج بأسعار منافسة من ناحية، وتؤمن السوق والطلب الفعال لتصريف المنتجات من ناحية أخرى.

شروط الاستثمار

تشير نظرية التنمية الاقتصادية إلى ضرورة توفر حد أدنى من البنية التحتية اللازمة للاستثمار وخصوصا في المناطق الصناعية الملائمة، من حيث توفر الكهرباء والماء والمواصلات والاتصالات بدرجة تتساوى مع اغلب دول العالم، لتكون تحت تصرف المستثمرين بأسعار معتدلة، لكي تتمكن الاستثمارات المنتجة مباشرة الإنتاج بتكاليف منافسة، وهنا يبين عباس ضرورة توفر الكفاءات والعناصر الفنية والمصارف الخاصة،  وأسواق الأسهم والأوراق المالية، ومن المهم أن تكون أسعار عناصر الإنتاج من كهرباء ومياه واتصالات وإيجارات وقيمة أراضي قليلة بحيث تشجع المستثمرين وتوفر في تكاليف الاستثمار.

إداريا

يضاف إلى ما سبق أيضاً وجود بنية إدارية مناسبة بعيدة عن الروتين والبيروقراطية تضمن تسهيل إجراءات التأسيس والترخيص وطرق الحصول على الخدمات المختلفة، ويؤكد مصدر الهيئة أن حل المشكلات الإدارية تنهي معاناة المستثمرين الذين يحصلون على موافقة مكتب الاستثمار من دوامة الحصول على تراخيص مختلفة من وزارة الكهرباء والصناعة والبلديات والتموين، وهناك ضرورة لمساعدة المستثمرين وتخليصهم من مشقة متابعة هذه الإجراءات عن طريق توفير نافذة واحدة ضمن مكتب الاستثمار تنهي للمستثمرين كافة الإجراءات المتعلقة بالوزارات الأخرى.

أين نحن منها..

أدى غياب الثقافة الحقيقية للاستثمار إلى ترهل أوصلنا لدرجة بتنا فيها مجتمع استهلاكي رغم ما تتمتع به بلادنا من مقومات لا يستهان بها تنقلنا إلى ضفة الإنتاج، سواء على الصعيد الزراعي، أم على الصعيد الصناعي، إضافة إلى الكادر البشري المشهود له عالمياً. ولعلنا نرى بالإعمار المرتقب فرصة لاستدراك ما فاتنا من فرص استثمارية لو كتب لها النجاح، لربما كانت معيلاً لنا في سنوات أزمة وما انتابها من ضغوط أثقلت كاهل اقتصادنا الوطني.

ميادة حسن

[ جديد الخبير ]