أكثر جديّةً من مجرد ثرثرة واستعراض إعلامي…أكاديميون يضعون حداً لـ”تنازع” الأولويات في ميدان إعادة الإعمار..
دمشق – الخبير السوري:
تتراكض جهات ومؤسسات خاصة وعامة لتضع لنفسها سندا في عملية الأعمار، بل ذهبت بعض تلك الجهات إلى حدود اعتبرت نفسها متحدثا خاصا بما يتعلق بعملية إعادة الأعمار لتحدد تلقائيا ما يجب فعله، وما يجب تجنبه من بعض المتطلبات لهذه المرحلة، ولعل الخلل الأكبر يتعلق بمفهوم هذه الجهات لمعنى الأعمار، فهو ليس فرصة للاستثمار وجني المكاسب فقط، وإنما يندرج بالمحصلة ضمن سياق التنمية المستدامة، ما يستدعي بالضرورة العمل وفق نهج يضمن الاستثمار في سورية، وليس استثمار سورية..!.
ضرورات
يتناسى بعضهم أن إعادة الأعمار مرتبطة بعمل تخطيطي هادف يقتضي الانطلاق من تشخيص دقيق للوضع الراهن في جميع قطاعات الدولة سواء أكان ذلك على مستوى مركزي أم إقليمي أم محلي، وهنا يؤكد الاقتصادي الدكتور أكرم القش أنه لابد في مرحلة الأعمار من الاعتماد على المعطيات الإحصائية الدقيقة التي تعكس واقع كل من هذه المستويات ومكوناتها، ومدى مساهمتها في الأداء الكلي للاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى دراسة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية من إنتاج واستثمار وعمالة، وما يتفرغ عنها من مؤشرات مختلفة تعكس العلاقة فيما بينها، توصلا إلى تحليل كمي ونموذج رقمي يعطي وصفا دقيقا لهذه المتغيرات، وذلك على مستوى الاقتصاد الوطني وعلى مستوى كل من القطاعات الإنتاجية والخدمية إلى المستويين الإقليمي والمحلي.
واقع
إن دراسة المتغيرات تقتضي دراسة وصفية لواقع كل قطاع بما يتناسب مع مصادر الإنتاج فيه، ويترافق ذلك مع تقويم دقيق للسياسات والإجراءات المتبعة ومدى نجاعتها في معالجة أثار الأزمة، توصلا إلى مقترحات محددة تتضمن تحديد الأولويات على المستويات الكلية والقطاعية والإقليمية والمحلية، وهنا يبين القش أن دراسة وتحليل الوضع الراهن ينبغي أن يكون عملية دائمة ومستمرة تأخذ بعين الاعتبار التغيرات الحاصلة نتيجة استمرار الأزمة، الأمر الذي يقتضي جهدا مستمرا من الأجهزة العاملة في مجال التخطيط في مختلف المستويات، ويتم ذلك بشكل بسيط من خلال الإدلاء ببيانات عن الخسائر في بعض قطاعات الدولة أو من خلال ما يتم تداوله من تحليلات تتناول جانبا من جوانب الأداء خاصة في مجال التطورات الحاصلة في الأسعار والأجور وسعر القطع وسياسات الاستيراد والتصدير ومؤشرات الفقر وغيرها من الأمور.
تحديات
القضاء الممنهج على جهود التنمية وأثارها وعلى الموارد الطبيعية المتاحة يعد من أكثر المخاطر التي تتحدى عملية إعادة الأعمار، لأنها استنزاف حقيقي لثروات البلد بحسب وجهة نظر رئيس اتحاد المصدريين السوريين محمد السواح حيث بين أن منع التصدير أو الاستيراد منها وجعل المتطرفين يسيطرون على المنافذ الحدودية يعد أهم واكبر التحديات التي تواجهنا لإعادة البناء، ويضيف السواح لا نريد أن يفرض علينا الانصياع للخارج من اجل تامين لقمة العيش بعد أن كان الاقتصاد السوري قد وصل إلى مرحلة الاعتماد على الذات، خاصة في المجالات الأساسية كالغذاء والدواء وغيرها، وبعد أن تم تسديد كل الديون التي كانت مترتبة عليه لصالح الدول أو جهات الإقراض الخارجي.
نظرة ايجابيات
ليست عملية إعادة الأعمار مجرد ثرثرة كما يفعل البعض عند التحدث بشأنها بل هي مجموعة من متكاملة من الدراسات الممنهجة والواقعية والتي ستؤدي إلى تحليل الواقع الراهن وواقع الخراب والتراجع في مؤشرات الأداء، وفي الوقت نفسه يجب أن تشير التحليلات إلى الجوانب الايجابية، والتي منها استمرت المؤسسات على اختلاف مستوياتها بالعمل، وأهمها السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والمحلية، وهنا يؤكد السواح أن الدولة ما تزال تقوم بمهامها المختلفة وخاصة في المدن الرئيسية التي تخضع لسلتطها المباشرة، وهذا ما يجعلنا نرى استمرار قطاعات الاقتصاد بالعمل بشكل متفاوت على الرغم من الصعوبات التي واجهتها قطاعات الصناعة والزراعة والكهرباء، وأيضا القطاع المالي والمصرفي وأجهزة الإدارة المحلية والمحافظات لا تزال مستمرة بالعمل، ويوضح السواح أن الإرادة والتصميم في مختلف المستويات تسعى لتتجاوز الأزمة، لذلك لابد من وضع الأسس في عملية إعادة الأعمار وإعداد التصورات الطويلة الأمد لمعالجة الاختلالات والتشوهات والاختناقات، بما يعكس خلق واقع يتجاوز الأزمة وأثارها، بالإضافة إلى وضع إستراتيجية طويلة الأمد ومتوسطة المدى تبنى على أساسها خطط إعادة البناء وتحقيق متطلبات التنمية المستدامة بان واحد.
خطط رقمية
تتطلب خطط وبرامج إعادة البناء الجهد الواعي والهادف لعملية إعادة البناء، وتقتضي أيضا كما يرى القش وضع التصورات الرقمية والمادية لمعالجة الاختلالات الحاصلة في الاقتصاد السوري ينبثق عنها إستراتيجية واضحة المعالم تحدد غايات ومرتكزات التطوير وأهداف عامة ومحددة مرتبطة بأفاق زمنية، ويتابع القش أن هذه التصورات هي خطط تتضمن بشكل محدد ورقمي الاستراتيجيات والأهداف المقرر بلوغها على المستوى الكلي والقطاعي، كما أنها يمكن أن تحدد خطط الإنتاج والقوى العاملة والبرامج الاستثمارية، ومن ثم تحدد الخطط المتوسطة الأجل المنطلقة من تحليل الوضع الراهن ليتم التركيز على الأولويات المرغوبة سواء أكان ذلك في مجالات تصحيح الخلل الحاصل في الإنتاج والناتج وتوزيع الدخل وغيرها، أو في مجالات إزالة أثار الأزمة ومتطلبات ذلك، بالإضافة إلى تحديد واضح ووفق برامج زمنية ومادية محددة لمتطلبات إعادة البناء، ويؤكد القش ضرورة مرافقة الإعدادات الدراسية لجدوى المشاريع في القطاعات المختلفة سواء المشاريع التي تعرضت لتخريب أو المشاريع التي تبرز الدراسات أهميتها وأولويتها في مختلف القطاعات الاقتصادية.
ميادة حسن