نحن من يروّج ل”استنزاف الذات”…ومزمار الحي لا يطرب أبداً..!!؟

 

لا يزال موضوع الاستيراد والتصدير يتصدر المشهد الاقتصادي، لاسيما وأن ثمة توجه حكومي لضبط هذا الموضوع إلى أقصى الدرجات الكفيلة بتحقيق الترشيد لإجازات الكفة الأولى، وحشد الجهود لإعطاء زخم للكفة للثانية. وهنا نشير إلى صوابية هذا التوجه الذي يؤمل أن يتمخض عن نتائج تعزز عبارة “صنع في سورية” في الأسواق العالمية.

وفي ظل توجيهات وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية بمنع معاونيه ومفاصل وزارته والجهات التابعة لها بالتعاطي مع الإعلام إلا بعد الرجوع إليه، لا يبقى أمامنا سوى تناول هذا الموضوع من وجهة نظر تحليلية قدر المستطاع، لمعرفة مدى توازن كفتي الاستيراد والتصدير، وتسليط الضوء على نقاط القوة والضعف في هذا المفصل الإستراتيجي، وسنبدأ من سنوات ما قبل الأزمة…حيث كان يعزو المشككون بقدرة تجارنا وصناعينا على التصدير غزو بعض صادراتنا لأسواق الدول المجاورة لمصادفة تجار تلك الدول لها في بلدنا ونجاح محاولتهم بتوريدها لبلدانهم، ما يعني أن الفضل بالتصدير يعود للغير وليس لتجارنا، لكن في المقابل ينفي معظم التجار الذين التقيناهم هذا الأمر جملةً وتفصيلاً، ويعتبرون أن هناك صادرات سورية تتميز بنوعية عالية وبذلت عليها جهوداً جيدة نسبياً للتعريف بها والترويج لها واكتشاف الأسواق المناسبة لها، ومنها الألبسة وبعض الصناعات التحويلية، ثم أتت الأزمة بكل تداعياتها لتقوض الإنتاج وتجعل من الاستيراد أولوية قصوى خاصة للمواد والسلع الأساسية.

الواقع الحالي

واقع الحال يؤكد -ورغم كل ما ذكر آنفاً- أن الصادرات السورية الحالية لا زالت أقل من الصادرات الممكنة، وبالتالي فإنه ومن الناحية المنطقية يجب اتخاذ إجراءات تزيد من قيمة صادراتنا وتحد قدر الإمكان من مستورداتنا، وذلك عبر تطوير جهازنا الإنتاجي – الذي تضرر جراء الأزمة بشكل كبير – بحيث يلبي رغبات ومتطلبات المستهلكين السوريين ويغنيهم عن استيراد السلع من الخارج، وبنفس الوقت يجب أن يكون هذا الجهاز قادرا على إنتاج سلع وخدمات يمكن تصديرها وبالتالي تحقيق المساواة –على الأقل في هذه المرحلة – بين كفتي التصدير والاستيراد، خاصة أنه لا يوجد لدينا قيودا على الاستيراد والتصدير إلا بالحدود الضيقة جدا وتطبق في حالات نادرة وفقاً لتأكيدات سابقة لمدير عام هيئة تنمية الإنتاج المحلي والصادرات إيهاب اسمندر، الذي أكد بأن سورية من أسهل دول العالم في قوانين الاستيراد والتصدير إن لم تكن الأسهل على الإطلاق.

الصناعي التاجر

وفي خضم الحديث عن مسألة الاستيراد والتصدير تطفو إلى السطح قضية تحول معظم الصناعيين إلى تجار لاعتبارات يتعلق بعضها بالأزمة وتلبية احتياجات السوق المحلي، وأخرى بقصد الربح السريع، وبالتالي فإن لهذه الخطوة تأثير كبير على تراجع قيمة الصادرات السورية، وهنا يبين الصناعي وليد عرجون الذي طغى عمله التجاري على الصناعي  أن معظم الصناعيين بالأساس هم تجار وليسوا حديثي العهد في كارهم الجديد، دون أن يخفي ضرورة أن يكون هناك حرصاً أكثر للمحافظة على العدد الأكبر من الصناعيين لزيادة القدرة الصناعية السورية، كون أن الصناعة تحقق القيمة الحقيقية المضافة، وبالتالي زيادة قيمة الصادرات. مبيناً أن تحوله إلى النشاط التجاري جاء بعد تدمير معمليه في حلب خلال الأزمة.

خلل

لاشك أن لغلبة الاستيراد على التصدير عوامل وأسباب لها علاقة بحيثيات وخصوصية كل منهما، لعل أبرزها أن الأول أكثر سهولة من الثاني الذي يحتاج إلى جهود وعمل منظم وعلاقات خارجية تصعب على التاجر العادي القيام بها، إضافة إلى أن اتخاذ قرار للقيام بالاستيراد هو قرار فردي يتخذه التاجر لوحده بينما قرار التصدير يحتاج إلى شركاء في الخارج، لذلك نجد أن حركة نمو ونشاط الاستيراد أسرع من نظيرتها بالنسبة للتصدير الذي يحتاج إلى جهود كبيرة وسبر للأسواق ومشاركة بالمعارض وشركاء بالخارج، وحملات ترويجية وتسويقية، وهذا يستدعي تكاليف مادية. ونشير هنا إلى أن كل الاقتصاديات تصدر وتستورد، لكن الاقتصاد الأقوى والأكثر تنافسية يصدر أكثر مما يستورد، والعكس صحيح بالنسبة للاقتصاد الأقل تنافسية، والذي ثبت في قطاعنا التجاري أن المصدر دائما – للأسف- هو أضعف من المستورد، وحتى من ناحية الدعايات والحملات الترويجية نرى أنها بالنسبة للسلع المستوردة أقوى ومنظمة ومدعومة أكثر من تلك التي يقوم بها التاجر للترويج لبضاعته في الخارج من أجل التصدير.

حسن النابلسي

[ جديد الخبير ]