خلال لحظات تحولت ضحكات الأطفال ولعبهم إلى صراخ وبكاء بعد أن سقطت طفلة في بئر مكشوف بريف إدلب كان مغطى ببعض الحجارة بشكل غير محكم. وبين محاولات الأهالي لإنقاذها وإبلاغ فرق الدفاع وضيق فوهة البئر وعمقه حالا دون إنقاذها لتفارق الطفلة الحياة بعد أن انحشرت داخله.
لم تكن تلك الحادثة الأولى من نوعها، إذ تتكرر حوادث السقوط في الآبار المكشوفة في مناطق مختلفة من سوريا، وسط تحذيرات متكررة من خطورتها ومطالبات بإغلاقها وتشديد الإجراءات بحق أصحابها.
خطر متكرر
رئيس قسم العمليات الميدانية في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث يوسف عزو قال: إن الآبار المهجورة وغير المغلقة أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على حياة المدنيين، ولا سيما الأطفال.
وأضاف في حديثه لـ “العين السورية”، أن فرق الإنقاذ سجلت حوادث متكررة لسقوط مدنيين في هذه الآبار، بعضها انتهى بإصابات، فيما أودت حوادث أخرى بحياة عشرات الأشخاص، في ظل غياب معايير وإجراءات السلامة في كثير من المواقع.
وأوضح أن السبب الرئيسي في ازدياد هذه الحوادث يعود إلى عودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم في أرياف حماة وحلب وإدلب، وهي مناطق كانت تعتمد بشكل كبير على الزراعة وتنتشر فيها الآبار الارتوازية التي كانت تستخدم لري المحاصيا، لافتاً أن هذه الآبار تُركت مهجورة لسنوات، بعد أن سُرقت معداتها وسُحبت المضخات المسؤولة عن استخراج المياه، ما أدى إلى بقائها مفتوحة دون حماية.
ووثقت وزارة الطوارئ والكوارث – بحسب محدثنا – خلال عام 2025 الماضي 37 حادثة سقوط في الآبار، نتج عنها 29 إصابة توزعت بين 14 رجلاً و5 سيدات و20 طفلاً. كما سجلت الفرق 20 حالة وفاة نتيجة هذه الحوادث، بينهم 8 أطفال و11 رجلاً وسيدة واحدة.
ومنذ مطلع العام الحالي 2026، فقد سُجلت 8 حالات سقوط في آبار ارتوازية في عدة محافظات سورية، بينها حماة وحلب وإدلب، إضافة إلى الطبقة في ريف الرقة ومنبج ودير حافر في ريف حلب.
خطة معالجة
وفي بيان سابق نقلته وكالة سانا، أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، أنها تعمل على خطة متكاملة بالتعاون مع وزارة الطاقة – الإدارة العامة للمياه، ووزارة الزراعة، لتعديل القوانين والتشريعات وفرض عقوبات أشد على من يترك بئراً مكشوفاً. وتهدف الخطة أيضاً إلى إطلاق حملات توعية مجتمعية للحد من تكرار هذه الحوادث المؤلمة.
وفي بيان لها حذّرت فرق الدفاع المدني من خطورة الآبار المفتوحة، مؤكدة أنها تهدد سلامة المدنيين، ولا سيما الأطفال، داعياً إلى نشر الوعي حول مخاطرها وضرورة إغلاقها.
كما نشرت مجموعة من الإجراءات الوقائية التي يمكن أن تحد من هذه الحوادث، من بينه: تأمين الآبار المستخدمة وتغطيتها بشكل جيد مع وضع أقفال مناسبة، وإغلاق فوهات الآبار المفتوحة أو المهجورة بشكل آمن، وضرورة التعاون المجتمعي لإغلاق الآبار المكشوفة في القرى والبلدات التي عاد إليها السكان.
وأكدت على ضرورة رفع فوهة البئر نحو 50 سنتيمتراً فوق مستوى الأرض لتقليل احتمال السقوط، والإبلاغ عن الآبار المهجورة للجهات المختصة لإغلاقها، وتوعية الأطفال بعدم الاقتراب من الآبار المفتوحة.
مطالبات بالمحاسبة
بدوره قال عدنان لطوف، وهو أحد سكان ريف إدلب، في حديثه لـ “العين السورية”: إن تكرار حوادث سقوط الأطفال في الآبار يثير غضب الأهالي ويطرح تساؤلات حول غياب الإجراءات الرادعة.
وأضاف أن مواقع التواصل الاجتماعي تنتشر فيها مقاطع فيديو لأطفال يتحدثون عن ما يسمى بـ “بئر الأمنيات”، حيث يظهرون وهم يلقون أنفسهم في آبار ثم يخرجون منها في مقاطع مصورة؛ الأمر الذي قد يدفع بعض الأطفال -كما يرى عدنان- لتقليد هذه المشاهد دون إدراك خطورتها.
وأشار إلى أن غياب العقوبات الصارمة بحق أصحاب الآبار المكشوفة يسهم في استمرار المشكلة، مطالباً بتشكيل لجان من البلديات للكشف على الآبار في القرى والبلدات وفرض غرامات كبيرة على أصحابها في حال عدم اتخاذ إجراءات السلامة.
وأكد أن حماية الأطفال يجب أن تكون أولوية، وأن معالجة المشكلة تتطلب تعاوناً بين الجهات الحكومية والمجتمع المحلي، إضافة إلى دور المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي في نشر التوعية حول مخاطر الآبار المفتوحة.
لماذا تبقى الآبار مفتوحة؟
من جانبه أوضح عبود الأحمد، وهو مزارع يعمل في حفر الآبار بريف إدلب، في حديثه لـ “العين السورية”، أن كثيراً من الآبار لا يتم إغلاقها بالكامل حتى بعد توقف استخدامها.
وقال إن بعض الآبار قد تجف أو يقل إنتاجها من المياه؛ ما يدفع أصحابها إلى سحب المضخة فقط، مع إبقاء البئر مفتوحاً لاحتمال تحسن منسوب المياه أو الحاجة لاستخدامه مجدداً.
وأضاف أن حفر البئر مكلف جداً، وقد يصل عمقه في بعض المناطق إلى أكثر من 150 متراً، لذلك يتردد أصحابها في إغلاقها نهائياً.
وأشار إلى أن أفضل طريقة لتأمين البئر هي وضع غطاء حديدي ملحوم مع ترك فتحات صغيرة للتهوية لمنع انحباس الضغط.
وبيّن أن المشكلة الأكبر تظهر في القرى التي كانت مهجورة لسنوات، حيث تنتشر آبار كثيرة تُركت دون صيانة بعد سرقة معداتها أو بسبب عدم عودة أصحابها، فيما يلعب الأطفال بالقرب منها دون إدراك للمخاطر.
خطر قائم
ورغم التحذيرات والخطط الحكومية المقترحة، لا تزال الآبار المكشوفة تشكل تهديداً دائماً لحياة الأطفال في مناطق عدة من سوريا، في ظل انتشارها بشكل أكبر في الأراضي الزراعية والقرى التي عاد إليها السكان بعد سنوات من النزوح.