حرب بلا منتصر… شرق أوسط جديد على حافة إعادة التشكّل

الخبير السوري – وديع فايز الشمّاس:

لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُقاس بميزان الانتصار العسكري، بل بقدرتها على إعادة رسم خرائط النفوذ وتغيير قواعد اللعبة. المواجهة الدائرة حاليا بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد جولة عسكرية، بل لحظة مفصلية في مسار صراع طويل على هوية المنطقة ومستقبلها.

وإذا خرجت إيران من هذه الحرب دون هزيمة واضحة—أي دون أن تُكسر قدراتها الاستراتيجية أو يُسقط مشروعها الإقليمي—فإن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة جديدة، مختلفة جذرياً عمّا كان عليه خلال العقدين الماضيين، خصوصاً بعد التحول الكبير الذي أحدثه سقوط نظام بشار الأسد وخروج إيران من سوريا. هذا التطور وحده أعاد تشكيل بنية الصراع وفرض معادلات جديدة على الجميع.

* الخليج: سباق تسلّح يبتلع الفوائض

ستجد دول الخليج نفسها أمام معادلة أمنية أكثر حساسية. فتعزيز القدرات الدفاعية سيصبح خياراً إلزامياً، لكنه خيار مكلف.
السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان ستتجه نحو شراء منظومات دفاع جوي وصاروخي متطورة، ما يعني دخول المنطقة في سباق تسلّح يستنزف فوائضها المالية.

في المقابل، تتحول المنطقة إلى سوق مفتوحة لشركات السلاح العالمية، التي تجد في التوتر الدائم بيئة مثالية لاستمرار تدفق الصفقات.
هكذا يصبح الأمن عبئاً اقتصادياً، والخوف محرّكاً دائماً لاقتصاد السلاح.

* سوريا: خسارة إيران الكبرى… وعودة عبر “الخلايا النائمة”

خسارة سوريا تمثل الضربة الاستراتيجية الأعمق لإيران. فدمشق كانت عقدة الوصل بين طهران وشرق المتوسط، ومنصة نفوذها نحو لبنان. ومع سقوط النظام وخروج الفصائل التابعة لها، فقدت إيران أهم قواعدها في المشرق.

* طهران لا تغادر الساحات بسهولة.

ورغم خروجها العسكري والسياسي المباشر، فإنها أبقت خلفها شبكة واسعة من الخلايا النائمة، موزعة في مناطق مختلفة، بعضها مرتبط ببنى اجتماعية أو اقتصادية، وبعضها الآخر مكوّن من عناصر محلية جرى تجنيدها خلال سنوات الحرب.

هذه الخلايا ليست مجرد مجموعات أمنية، بل أدوات نفوذ مؤجلة، يمكن تفعيلها عند الحاجة، سواء لزعزعة الاستقرار أو لإعادة فتح قنوات تأثير غير مباشرة.
ومع أن قدرة إيران على استعادة نفوذها السابق تبقى محدودة، فإن وجود هذه الشبكات يمنحها هامشاً من الحركة في المشهد السوري الجديد.

* العراق: ساحة النفوذ الأكثر حساسية

العراق سيبقى الامتحان الأصعب لإيران.

فشبكات النفوذ التي بنتها خلال عقدين تواجه اليوم صعوداً متزايداً لقوى تطالب باستقلال القرار الوطني.
وإذا حاولت طهران تعويض خسارتها في سوريا عبر تعزيز حضورها في العراق، فإنها ستصطدم ببيئة سياسية واجتماعية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

* لبنان: قوة حزب الله… وحدودها

في لبنان، سيحاول حزب الله تثبيت معادلة الردع مع إسرائيل وترجمة ذلك سياسياً.
لكن الانهيار الاقتصادي العميق يجعل أي مكسب جيوسياسي هشاً وقابلاً للتآكل.
فبلد على حافة الانهيار لا يستطيع أن يكون ساحة نفوذ مستقرة لأي طرف.

* شرق أوسط متعدد الأقطاب: صراع بلا جبهات واضحة

التحول الأعمق لا يكمن في نتائج الحرب، بل في بنية النظام الإقليمي نفسه.
فالشرق الأوسط يتجه نحو تعددية أقطاب: إيران، الخليج، تركيا، إسرائيل، وربما لاعبين جدد.
الصراع لن يكون عسكرياً فقط، بل اقتصادياً وتكنولوجياً وسياسياً، عبر أدوات النفوذ غير المباشر.

* زمن النفوذ المتحوّل

في نهاية المطاف، حتى لو خرجت إيران من الحرب دون هزيمة، فإن نفوذها لم يعد كما كان.
خسارة سوريا غيّرت قواعد اللعبة، والخليج يدخل سباق تسلّح مكلف، والعراق ولبنان يعيشان توازناً هشاً بين القوى الإقليمية.

الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة جديدة، لا تُحسم فيها المعارك بالسلاح وحده، بل بقدرة الدول على إدارة النفوذ والتحالفات في عالم يتغيّر بسرعة، حيث لا يوجد منتصر نهائي… ولا نفوذ ثابت.

[ جديد الخبير ]