كتب د. زياد أيوب عربش:
تجري اجتماعات رسمية مكوكية بين الدول التي تربط الخليج العربي بالمتوسط، وبالتوازي مع لقاءات نوعية لريادي الأعمال والمستثمرين المدركين بأننا بلحظة تحولات جوهرية،لم نعرفها من قبل، كون الإقليم كصورة مصغرة للعالم، سيعاد تموضوعه في مناحي عديدة وعالمية مع تغير أوزان البحور الخمس (الأحمر، الأسود، المتوسط، قزوين وبحر العرب)، من الطاقة وممرات العبور والإمداد والنقل والطيران والسياحة إلى الأمن الغذائي وحركات العمالة وفرص التشغيل كاللقاءات المصرية السورية، أو اتفاق تصدير النفط العراقي عبر سورية أو اتفاقيات الأردن مع سورية، أو اجتماعات مسؤولينأتراك وأردنيين وسوريينفي إطار حراك دبلوماسي مكوكي متسارع، كخطط تمديد شبكة الحديدية التركية نحو حلب (بتكلفة 110 ملايين دولار) ثم دمشق، ليعيد إحياء إرث سكة حديد الحجاز لكن بأهداف اقتصادية ولوجستية بحتة.
وبالتالي لابد من استدراك كل الفرص البازغة وباستدامة هذه المرة وبالجدية التي تحقق مصالح شعوب المنطقة، سيما وأن المطالب الدولية تحث على استقرار منظومات الطاقة (النفط والغاز الطبيعي) والتي تفترض حكماً استقرار الخليج وشرق المتوسط.
* أولاً: نظرية الألعاب، لماذا “رابح-رابح” هو الخيار العقلاني؟
في سياق إقليمي يشهد حرباً على إيران واحتمالات إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية، تمثل الاجتماعات التركية – الأردنية – السورية، كمثال، تطبيقاً عملياً لنظرية الألعاب التعاونية. فبدلاً من لعبة محصلة صفرية (رابح – خاسر)، تدرك الأطراف الثلاثة
أن تركيا المرتبطة باتحاد جمركي مع الاتحاد الأوربي (425 مليون مستهلك) تربح ممراً لوجستياً نحو الأسواق العربية والخليج عبر سورية والأردن وكامل منطقة الغافتا (308 مليون مستهلك، والأردن الذي يعيد تفعيل دوره كبوابة عبور إقليمية ويستفيد من حركة الترانزيت، وسورية التواقة لإعادة إعمار ولو جزئية لشبكة سككها الحديدية وانفتاح اقتصادي متنامٍ إذا أحسن الانتفاع منه..
فهذا التوازن يخلق حالة رابح-رابح” تعزز الاستقرار النسبي حتى في ظل استمرار التصعيد العسكري.
ومن منظور نظرية الألعاب، فإن أي انحراف عن هذا المسار التعاوني سيعيد المنطقة إلى لعبة “الجميع يخسر”، حيث تتعطل سلاسل التوريد، وتغلق الممرات، وتتعمق الأزمات الإنسانية.
ثانياً: مفهوم الجيواسبيسGeospace:من الخريطة الثابتة إلى الشبكة الديناميكية
الجيو-مكاني هو ذلك الحيز المكاني الذي تتشابك فيه الجغرافيا الطبيعية (البر، البحر، الممرات) مع التدفقات غير المادية (رأس المال، الطاقة، البيانات، السكان).
في إطار هذا المفهوم، لم تعد المنطقة العربية مجرد خريطة حدود ثابتة، بل شبكة متحركة من العلاقات الاقتصادية والأمنية.
تتحدد ملامح الجيواسبيس الإقليمي من خلال مجموعة من القطاعات الجوهرية التي تمثل عصب أي استراتيجية إقليمية ناجحة وخاصة دور القطاعات الجديدة:
-النقل وممرات العبور: ربط المتوسط بالخليج عبر سورية، الأردن، العراق، وإعادة تشغيل خطوط السكك الحديدية التاريخية كسكة حديد الحجاز بنسختها الحديثة.
-الطاقة، من شبكات كهرباء وأنابيب غاز إقليمية (مثال: الربط العربي) وتأمين إمدادات النفط والغاز من الخليج إلى أوروبا عبر الممرات البرية البديلة.
-الأمن الغذائي، وسلاسل التوريد (داخلية–إقليمية–خارجية) والاستثمار في المخازن الاستراتيجية.
-الهجرة المناخية، أي ما سيبرز من تحركات سكانية نتيجة تغير النموذج الاقتصادي ومستويات التشغيل ونوعيتها والعواملالناتجة طبيعيا وكنشاط اقتصادي عن التصحر وشح المياه، والتي تتطلب تخطيطاً مشتركاً للبنى التحتية والخدمات الأساسية.
فكلها قضايا جوهرية، تتطلب تخطيطاً استباقياً، سواء انتهت الحرب أو استمرت. فالحيز الاقليمي لن يكون مستقراً ما لم تُحل كل هذه الملفات بشكل مترابط وليس منفصلاً.
ثالثاً: الخطوة التركية، سكة حديد حلب كاختبار للحيز المكاني كترابط إقليمي
كشفت أنقرة عن خطط لتمديد شبكتها الحديدية نحو مدينة حلب، في مشروع يعيد إلى الأذهان إرث سكة حديد الحجاز، لكن هذه المرة بأهداف اقتصادية ولوجستية واضحة. المشروع، الذي تقدر تكلفته بنحو 110 ملايين دولار، لا يبدو مجرد خط سكك جديد، بل جزء من رؤية أوسع لربط تركيا بعمقها الإقليمي.
وبحسب التصريحات الرسمية، فإن الخطة لا تقتصر على الوصول إلى حلب فقط، بل تمتد لاحقاً نحو دمشق، حيث يوجد بالفعل خط حديدي قائم، ما يعزز فرص إعادة تشغيل شبكة النقل بين المدن السورية وربطها بالخارج بعد سنوات من التوقف.
بالتأكيد، الطريق إلى تنفيذ المشروع ليس سهلاً، إذ تبرز تحديات تتعلق بالبنية التحتية داخل سورية إلى جانب الاعتبارات الأمنية والسياسية. لكن هذا الربط قد يحول المنطقة إلى ممر لوجستي مهم، يعيد تنشيط طرق التجارة التي تعطلت بفعل الحرب. سياسياً، حيث تأتي هذه الخطوة في سياق تحولات أوسع تشهدها المنطقة، وسط مؤشرات على محاولات إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية. وبينما لم تُعلن تفاصيل كاملة بشأن التنسيق مع دمشق، فإن طرح المشروع بهذا الشكل يثير تساؤلات حول إمكانية أن يكون مقدمة لتقارب تدريجي بين أنقرة ودمشق.
رابعاً: بوابة الشرق، ، الأردن، سورية، العراق، جنوب تركيا وشمال مصر
تشكل هذه الدول الخمس العمود الفقري للإقليم “بحلّته” الجديدة، فمصر التي تتحكم في قناة السويس والبحر الأحمر، هي بوابة إفريقيا والعالم العربي إلى أوروبا، والأردن الذي يشكل الممر البري الآمن بين الخليج والمتوسط، ويتمتع بعلاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وسورية الساعية للنهوض، وتعيد ربط الساحل المتوسطي بالداخل التركي والعراقي، وهي حلقة الوصل المفقودة حتى عام 2011.والعراق كجسر الطاقة والنقل نحو إيران والخليج، ويمتلك شبكة طرق وسكك حديدية قابلة للتأهيل، وتركيا بوابة أوروبا ومحرك السكك الحديدية، وقوة صناعية كبرى تحتاج إلى أسواق.
هذا التكتل الهندسي يخلق بديلاً استراتيجياً لمضيق هرمز وباب المندب، في حال استمرار التهديدات على الملاحة البحرية. فبدلاً من الاعتماد على ممرات مائية قابلة للإغلاق، يمكن نقل البضائع والطاقة عبر شبكة برية متكاملة من الخليج إلى المتوسط مروراً بالعراق وسوريا والأردن.