الخبير السوري ـ سمر السمارة: منذ اندلاع الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران، وبالرغم من تهديدات ترامب الخطيرة، أغلقت طهران مضيق هرمز، وأوقفت حركة الملاحة البحرية بشكل كامل، ومنذ ذلك الحين، سعت الإمبراطورية عبثاً لتشكيل تحالف دولي لإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي اقتصادياً، لكنها قوبلت بالرفض، ما جعل حلفاء الناتو عرضة لانتقادات ترامب اللاذعة لارتكابهم “خطأً فادحاً” بحسب تعبيره، برفضهم المساعدة في تأمين المضيق عسكرياً. الأعمال العدائية تجعل استئناف التجارة العالمية مستحيلاً تؤكد التقارير الصادرة عن وكالة بلومبيرغ، أنه على الرغم من تداول مقترحات لحلول محتملة، فإن حلفاء مجموعة السبع يجمعون على استحالة استئناف التجارة الطبيعية عبر المضيق المتوتر حالياً دون توقف كامل للأعمال العدائية. في السياق، حذر رئيس قسم الأبحاث في “بنك أوف أمريكا” من أن أسعار النفط قد ترتفع إلى أكثر من 200 دولار للبرميل في حال استمرار الاضطرابات لأشهر عدة، متوقعاً أن يؤدي عدم إعادة فتح المضيق خلال أيام إلى ركود اقتصادي عالمي. ويرى محللون اقتصاديون، أن فرض طهران حصاراً على المضيق كان أمراً حتمياً، ومتوقعاً على نطاق واسع في حال نشوب الحرب التي ألحقت أضرار جسيمة بالعديد من القطاعات الاقتصادية، حيث لن يكون المواطنون العاديون بمنأى من هذه التداعيات، بل سيتحملون العبء الأكبر في صورة ارتفاع أسعار السلع الأساسية، خاصة مع تعطل حركة الشحن العالمية، بعد إلغاء شركات الخدمات اللوجستية الكبرى خطوطها في غرب آسيا، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. أهمية المضيق العالمية على الصعيد العالمي، تتجلى أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية في حجم التجارة العالمية المارة عبره، إذ يمر نحو 11% من التجارة البحرية العالمية سنوياً، وهو ما يمثل 20% من إجمالي إمدادات النفط العالمية، لذا فإن إغلاق المضيق سيؤدي إلى فوضى دائمة في أسواق الطاقة، وسيؤثر على توافرها لسنوات قادمة. في المقابل، ورغم التركيز السائد على تداعيات إغلاق المضيق على النفط والغاز، إلا أن الانعكاسات الفعلية قد تتجاوز ذلك، خاصة أن العديد من السلع الحيوية التي تدعم تشغيل الصناعات الكبرى تعبر بانتظام وبكميات كبيرة عبر المضيق. وهذه ليست سوى البداية، إذ يمر قرابة ثلث إمدادات الأسمدة المنقولة بحراً في العالم عبر مضيق هرمز سنوياً، حيث كانت دول الخليج قبل الحرب، تحتل مرتبة متقدمة بين موردي الأسمدة الدوليين، وشكلت المنطقة مصدراً لما يقارب43% من تدفقات اليوريا العالمية التي تعتبر عنصراً أساسياً في إنتاج الغذاء. لذا، فإن ارتفاع سعر اليوريا قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بنسبة تصل إلى 90% مع ما يحمله ذلك من تداعيات واسعة على أسعار الغذاء والاستقرار الاقتصادي، حيث تتزايد المخاوف بشأن إمكانية استمرار هذا الوضع. تحذيرات أكاديمية “ويست بوينت العسكرية الأمريكية وفي مقال نشرته أكاديمية “ويست بوينت العسكرية الأمريكية” في 13 أذار، حذرت الأكاديمية من أن ارتفاع سعر الكبريت بنسبة 25% حتى الآن، سيؤثر سلباً على أحد أهمّ مُدخلات الطاقة الصناعية الحديثة، مشيرة إلى أن دور حمض الكبريتيك لا يقتصر على كونه حيوياً للوظائف الاقتصادية الأساسية فحسب، بل “يُعدّ أيضاً ضرورياً للعمليات العسكرية الحديثة”. وبحسب المقال سيُؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى شلّ الصناعة العسكرية الأمريكية، إذ يُعدّ الكبريت مادة حيوية تدخل في طيف واسع من التطبيقات الصناعية، بدءأ من النحاس في شبكة الكهرباء الأمريكية وصولاً إلى أشباه الموصلات المستخدمة في الذخائر الموجهة بدقة. بالنسبة للمخططين والاستراتيجيين العسكريين، “يُمثّل النقص الوشيك في الكبريت أزمة لوجستية مُبكرة… إذ تُستخدم مواد كيميائية مثل حمض الكبريتيك في المراحل الأولى من استخراج النحاس، ومعالجة مواد البطاريات، وتصنيع أشباه الموصلات، ما يعني أنها تُحدّد ما إذا كان الجيش الأمريكي قادراً على الحفاظ على قاعدة إنتاج صناعية للأنظمة الكهربائية والرقمية اللازمة لاستمرار القتال مع نفاد الذخائر وتزايد الخسائر القتالية”. ويعد النحاس “أوضح مثال” على أن إغلاق مضيق هرمز يشكل “مشكلة حربية” ذات أبعاد تاريخية للإمبراطورية، فهذا المعدن واسع الاستخدام “مُدمج في المحولات والمحركات ومعدات الاتصالات التي تُمكّن القواعد الأمريكية ومصانع الأسلحة من العمل، إلا أن “القيود الفعلية على القدرة القتالية الأمريكية” الناجمة عن الحصار الإيراني على مضيق هرمز لا تقتصر على إمدادات النحاس فقط، بل تشمل أيضاً محدودية الوصول إلى الكوبالت والنيكل، وهما عنصران أساسيان في سبائك المحركات النفاثة عالية الحرارة، وبطاريات الليثيوم أيون الحيوية التي تُشغل الطائرات المسيّرة والإلكترونيات التكتيكية. سيؤدي نقص أشباه الموصلات إلى تعطيل مجموعة واسعة من المعدات العسكرية الأمريكية، بدءاً من إلكترونيات الطيران في طائرات إف-35 المقاتلة وصولاً إلى أنظمة اعتراض وتوجيه الصواريخ، علاوة على ذلك، فإن القاعدة الصناعية للإمبراطورية “مرتبطة بظروف لا تستطيع واشنطن نفسها السيطرة عليها. بحسب “ويست بوينت”، “أصبح هذا الأمر مشكلةً مُشلّةً وفوريةً للقاعدة الصناعية العسكرية للولايات المتحدة، حيث تأتي هذه الضربة القاصمة للقدرات العسكرية الأمريكية وقدرتها على التوريد في وقتٍ تنهار فيه آلة الحرب المتضخمة للإمبراطورية بالفعل. عقدين من الصراعات المستمرة بحسب تقرير رسمي صادر عن مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية، فإنّ ما يقرب من عقدين من الصراعات المستمرة والمكلفة قد أضعفت جاهزية واشنطن العسكرية إلى حدّ عجزها عن “التكيّف مع التهديدات المتزايدة التي تُشكّلها القوى الكبرى” كالصين وروسيا، أو “الخصوم الآخرين، ويُثير القلق بشكل خاص سلاحا الجو والبحرية الأمريكيان، وهما الأصول العسكرية المنتشرة حالياً في غرب آسيا، والتي تستحوذ على الجزء الأكبر من الإنفاق الحربي الأمريكي. ويُشير التقرير، إلى أنّ أساطيل الولايات المتحدة من الطائرات والسفن تُعاني من التقادم والعطل، حيث يُعيق “نقص قطع الغيار، وتأخيرات الصيانة، وغيرها من المشاكل” صيانتها وإصلاحها أو يمنعها تماماً، هذا، فضلاً عن معاناة البحرية الأمريكية على الصعيد البشري، من نقص مزمن في الأفراد”. في سياق آخر، كشف تقريرٌ حول مدى تحقيق 15 طائرة مقاتلة وأرضية أمريكية منفصلة لأهدافها السنوية المتعلقة بالقدرة على تنفيذ المهام في عام 2023، أن أياً منها لم يحقق ذلك، وخلص مكتب المحاسبة الحكومي إلى أن الجيش “نشر معدات جديدة في الميدان قبل اكتمال خطط المرافق والأفراد والتدريب، وهو ما ينطبق أيضاً على البحرية، التي لطالما اعتمدت على أسطولٍ قوامه ثلاثون سفينة قتالية ساحلية، “مصممة للعمل في المياه الضحلة القريبة من الشاطئ”، لاستعادة قدراتها الدفاعية والهجومية، بما في ذلك كاسحات الألغام ومع ذلك، “لم تُثبت البحرية أن هذا النوع من السفن قادر على أداء مهامه المرجوة، ويُقدم الحرب على إيران دليلاً ملموساً على عدم ملاءمة سفن القتال الساحلية التابعة لواشنطن “للمهام المرجوة. في المحصلة، يبدو أن الإمبراطورية باتت في أزمة تاريخية، فلا تبدو الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية، بل اختباراً قاسياً لقدرة الولايات المتحدة على تحمل تبعات اقتصادية متصاعدة، قد يهدد استقرارها.