ركيزة جاهزة لتعزيز السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية.. بناء سوريا الجديدة بأدوات احترافية

الخبير السوري – كتب المهندس ياسر أسعد:

النقابات المستقلة تسهم في إعادة بناء الطبقة المهنية وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع لها في النقاش العام حول مستقبل سوريا والسوريين وتساعد على تطوير معايير مهنية حديثة تحارب الفساد وتدعم الشفافية.

وباعتبار أن لهذه النقابات دورًا مهمًا في تعزيز اللحمة الوطنيه والسلم الأهلي فهي عابرة للانقسامات السياسية والاجتماعية والطائفية وقادرة على خلق مساحات مشتركة للحوار والتعاون, حيث يجتمع الأطباء أو المحامون أو المهندسون حول قواعد المهنة وأخلاقياتها، بعيدًا عن الاستقطابات السياسية الطائفية والإثنية الحادة.

منذ حصول سوريا على استقلالها برزت النقابات المهنية وخاصة نقابات المحامين والمهندسين والأطباء والمهندسين الزراعيين , كأحد أهم الفضاءات المدنية التي أسهمت في تشكيل الحياة العامة وتشكيل إطار تنظيمي للمهن الحرة، لكنها تجاوزت هذا الدور لتصبح مؤسسات اجتماعية وسياسية لعبت دورًا بارزًا في بناء الدوله وفي التعبير عن مصالح الطبقة الوسطى وأصبحت جزءًا من المجتمع المدني السوري ووفّرت لأعضائها شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعي، كصناديق التقاعد والتأمين الصحي وتنظيم أنشطة ثقافية واجتماعية ومكانة بارزة للمشاركة المهنية والثقافية والسياسية، وأسهمت في تعزيز القيم المرتبطة بسيادة القانون والعدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية .

وخلال العقود الأولى للاستقلال لعبت النقابات دورًا أساسيًا في الدفاع عن سيادة القانون واستقلال القضاء , وكان العديد من قيادات النقابات من الشخصيات القانونية والسياسية المؤثرة في الحياة العامة و شاركت في صياغة قوانين المهن الحرة وتنظيم العمل الطبي والقانوني والهندسي وصياغة القوانين والدساتير وقامت تنظيم الندوات والمؤتمرات العلمية وإصدار مجلات ودوريات متخصصة وساهمت في تطوير المناهج الجامعية ودعم التدريب المهني وشاركت في النقاشات الوطنية حول النظام السياسي والحريات العامة وفرضت نفسها كمنصات للتعبير عن مواقف سياسية ومهنية تطالب بالحريات العامة وتنتقد السياسات الحكومية وكانت رائدة في التعبير عن مطالب إصلاحية تتعلق بالحريات وسيادة القانون و طبيعة الدولة والعلاقة بين السلطة والمجتمع.

غير أنّ التحولات السياسية التي شهدتها سوريا في أواخر سبعينيات القرن الماضي اعتماد الحل الأمني من قبل السلطة للسيطرة على المجتمع السوري غيّرت بصورة عميقة طبيعة العمل النقابي , وأدت التعديلات القانونية إلى إعادة صياغة دور النقابات المهنية باعتبارها منظمات جماهيريه مرتبطة بالمنظومة السياسية الحاكمة ، وهذا أدى عمليًا إلى تراجع استقلالها وإضعاف دورها كوسيط بين الدولة والمجتمع، وبالتالي لم يعد الهدف الأساسي للنقابة تمثيل المهنة والدفاع عن استقلالها، بل أصبح جزءًا من بنية تنظيمية أوسع تخضع لاعتبارات أمنيه وسياسية وإدارية واصبحت مرتبطة بقياده الجبهة الوطنية التقدمية .

هذا التحول التاريخي لم يكن مجرد تعديل تقني في القوانين، بل كان تغييرًا في وظيفة النقابات داخل المجتمع، إذ تقلصت مساحة الانتخابات الحرة داخلها من منافسة حرة إلى قوائم مسبقة الترشيح توضع من قبل السلطة، وتراجعت قدرتها على تمثيل أعضائها بصورة مستقلة، و أصبحت النقابة جزءاً من منظومة الولاء السياسي وأقرب إلى مؤسسه إدارية تمنح تراخيص الممارسة المهنية وتؤمّن انضباط الأعضاء أكثر من كونها هيئه تمثيلية تعبّر عنهم .
اليوم، ومع النقاش المتزايد حول مستقبل الدولة السورية وإمكانيات الإصلاح السياسي والمؤسساتي، يعود ملف النقابات المهنية إلى الواجهة بوصفه جزءاً من النقاش الأوسع حول بناء دولة القانون وتعزيز التجربة الديمقراطية فإصلاح النقابات لا يتعلق فقط بتعديل قوانين المهن، بل يرتبط بإعادة بناء المؤسسات الوسيطة في المجتمع تلك المؤسسات التي تخلق التوازن بين الدولة والمجتمع وتمنع احتكار السلطة للعمل بالشأن العام .

هنا لابد من التأكيد أنّ الدعوة إلى إصلاح النقابات المهنية لا تعني العودة إلى القوانين التي كانت سائدة قبل عام 1978، رغم أنها كانت تسمح بقدر أكبر من الاستقلال.

بل إن المطلوب هو ما يمكن تسميته بعودة مُحدَّثة تستعيد فكرة الاستقلال النقابي، مع الاستفادة من التطورات التي شهدها العالم في تنظيم المهن الحرة ودورها في المجتمعات الديمقراطية, وكذلك من التجارب الدولية في العدالة الانتقالية (جنوب أفريقيا، تونس، ألمانيا بعد النازية، تشيلي بعد بينوشيه) التي أكدت أنّ الإصلاح الدستوري للمؤسسات المهنية لا يقل أهمية عن العداله الإنتقاليه والمحاسبة القضائية , فالانتقال السياسي لا يتحقق فقط عبر إعادة تشكيل الدولة، بل عبر إصلاح الجسم المؤسسي الذي ينظّم المهن ويحمي الحقوق ويخلق المجال العام الذي تُمارس فيه الديمقراطية يوميًا.

في هذا المعنى يصبح استقلال النقابات المهنية جزءًا من الضمانات الدستورية لعدم تكرار الاستبداد لا مجرد مطلب نقابي أو تنظيمي , وهو ما يجعل العودة إلى قوانين ما قبل 1978 خطوة تأسيسية في مشروع سوريا الحرة ، شرط أن تقترن بحماية دستورية واضحة تمنع إعادة إنتاج آليات السيطرة السابقة .
تقدم التجارب الدولية نماذج مهمة في هذا المجال، ومن بينها التجربة الألمانية في تنظيم النقابات التي تقوم على مبدأ الإدارة الذاتية للمهنة ، حيث يدير الأعضاء شؤون مهنتهم عبر هيئات منتخبة من داخل المهنة نفسها، دون تدخل مباشر من السلطة التنفيذية في اختيار القيادات أو في توجيه القرار النقابي وتتمتع هذه الهيئات باستقلال مالي وإداري وتنظيمي , وهي في الوقت نفسه شريك للدولة في تطوير السياسات العامة المتعلقة بالحريه و العدالة .

لا يُنظر في هذه التجارب إلى استقلال النقابات المهنية بوصفه امتيازًا خاصًا بالمهنة، بل باعتباره جزءًا من بنية الدولة الديمقراطية.. فالمهن الحرة وخاصة الطب والمحاماة والهندسه مرتبطة مباشرة بحقوق الإنسان الأساسية ، ومن هنا يصبح استقلال هذه المهن ضمانة لحماية هذه الحقوق، وليس مجرد تنظيم إداري لها .

في سوريا بعد التحرير تم تعين قيادات للنقابات بموجب الإعلان الدستوري وخطاب النصر لإدارة المرحله الانتقالية, المطلوب من هذه القيادات الآن العمل على أن يشكل إصلاح النقابات المهنية خطوة أساسية في مسار إعادة بناء الدولة وتعزيز الثقة بين السوريين، لا استخدام الفرصه التي منحت لهم لتعزيز سلتطهم تحت نفس الشعارات التي وئدت بموجبها النقابات من قبل السلطه , فالنقابات المستقلة تسهم في إعادة بناء الطبقة المهنية وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع لها في النقاش العام حول مستقبل سوريا والسوريين، وتساعد على تطوير معايير مهنية حديثة تحارب الفساد وتدعم الشفافية.

وباعتبار أن لهذه النقابات دورًا مهمًا في تعزيز اللحمة الوطنية والسلم الأهلي فهي عابرة للانقسامات السياسية والاجتماعية الطائفية، وقادرة على خلق مساحات مشتركة للحوار والتعاون, حيث يجتمع الأطباء أو المحامون أو المهندسون حول قواعد المهنة وأخلاقياتها، بعيدًا عن الاستقطابات السياسية الطائفية والإثنية الحادة.

إن إدراج مبدأ استقلال النقابات المهنية ضمن الإطار الدستوري في سوريا المستقبل يشكل خطوة مهمة في هذا الاتجاه , فالدستور يجب أن يضمن حقها في إدارة شؤونها بحرية وانتخاب قياداتها بشكل مستقل والمشاركة في صياغة السياسات العامة المتعلقة بمهنها، مع حظر أي وصاية سياسية أو إدارية على عملها , مثل هذه الضمانات لا تهدف إلى منح امتيازات للنقابات، بل إلى تعزيز بنية المجتمع الديمقراطي الذي تقوم فيه المؤسسات الوسيطة بدور أساسي في حماية التوازن بين السلطة والمواطن.

في النهاية، لا يمكن لأي تجربة ديمقراطية أن تستقر دون وجود مؤسسات مستقلة قادرة على تمثيل المجتمع وتنظيم مصالحة والنقابات المهنية كانت تاريخيًا أحد هذه الأعمدة في الحياة السورية , لذا فإن إصلاحها واستعادة استقلالها لا يمثلان مجرد مسألة مهنية، بل يشكلان جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة وتعزيز السلم الأهلي، وفتح المجال أمام مجتمع أكثر حرية وتوازنًا في علاقته مع السلطة .

الديمقراطية لا تُبنى فقط عبر الانتخابات أو التغيير السياسي في قمة السلطة، بل تُبنى أيضًا عبر مؤسسات المجتمع التي تدير شؤونها باستقلال ومسؤولية.

وفي هذا الإطار يمكن للنقابات المهنية أن تستعيد دورها الطبيعي كركيزة أساسية في بناء سوريا الحرة وطنا لكل السوريين. سيرياستيبس

إقرأ للكاتب أيضاً :
http://syriasteps.com/index.php?d=127&id=204697
التعافي والحوار والعدالة
المهندس ياسر أسعد : الساحل السوري بعد عام على المأساة.. كيف نحمي السلم الأهلي الهش ونبني الثقة من جديد؟

http://syriasteps.com/index.php?d=132&id=204790
الريجي والساحل السوري
من تآكل الوظيفة و خسارة الأمان إلى فرصه استعادة الدور التنموي وتعزيز السلم الأهلي

[ جديد الخبير ]