الرئيس السوري بين محطتين أوروبيتين مركزيتين، حيث في برلين اختتم زيارته إليها أمس، ولندن التي تبدأ اليوم. فتشكل هاتان الزيارتان منعطفاً استراتيجياً في مسار العلاقات السورية الأوروبية ككل، حيث تسعى سورية إلى الإنتهاء من مرحلة التثبيت السياسي للولوج بمرحلة الاندماج الاقتصادي في الفضاء الأوروبي. بالتالي تعكس هذه الزيارة المزدوجة توجهاً أوروبياً بأن سورية لم تعد مجرد ساحة أزمات، بل بدأت تعيد اكتشاف موقعها الجيوستراتيجي الأصيل كحلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط وعمق القارة الآسيوية. في هذه الجغرافيا، تتزاحم الشركات الأوروبية للاستثمار ليس فقط في سورية كبلد يحتاج إلى كل شيء لإعادة الإعمار، بل في الإقليم بمعناه الواسع، حيث تتداخل سلاسل التوريد والممرات اللوجستية. يأتي هذا التحرك الأوروبي في لحظة مفصلية إقليميًا، حيث تُعقد الاجتماعات في خضم حرب دائرة في المنطقة، ما يفرض أن يكون الاستقرار المستدام والسلام على رأس الأولويات لكل شعوب المنطقة، لا سيما في لحظة لا يمكن الجزم فيها بأننا على عتبة انتهاء الحرب أو على أبواب مزيد من التصعيد.
-فزيارة ألمانيا (التي انتهت البارحة) كانت فرصة لسبر شراكات استراتيجية في الطاقة وإعادة الإعمار كيث شهدت توقيع مذكرات تفاهم مع شركات ألمانية كبرى، في مقدمتها سيمنز (Siemens) لتطوير شبكات الطاقة، وكناوف (Knauf) في قطاع مواد البناء والتشييد. تأتي هذه الزيارة بعد أشهر من إقرار سوريا لقانون استثمار جديد يسمح للمستثمر الأجنبي بتملك 100% من المشروع، مع إعفاءات ضريبية وجمركية تصل إلى 10 سنوات.
فجدوى المشاريع الاستثمارية في قطاعي البنية التحتية والطاقة كونها تمثل فرصة تاريخية نظراً لحجم الفجوة التي خلفتها سنوات الحرب، إلا أن جدواها تتوقف على أربعة عوامل رئيسية: • استقرار البيئة الأمنية كشرط مسبق لتدفق رؤوس الأموال. • وضوح الإطار التنظيمي وتطبيق قانون الاستثمار الجديد بشكل غير انتقائي. • توفر آليات تمويل مبتكرة لا تعتمد فقط على الموازنة العامة. • الربط الإقليمي للمشاريع لضمان عوائد اقتصادية موسعة.
فأثر الشراكات مع شركات مثل سيمنز وكناوف على الاقتصاد المحلي يتمحور حول -نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة: فعقود سيمنز لا تقتصر على إعادة تأهيل شبكات الكهرباء فحسب، بل تشمل أنظمة الشبكات الذكية (Smart Grids) التي تتيح إدارة أفضل للطاقة وتقلل الفاقد. -سلاسل التوريد المحلية: فشركات مثل كناوف، المتخصصة في مواد البناء، يمكنها أن تشكل نموذجاً للصناعات المغذية التي تشغل أيدي عاملة محلية وتخلق قيمة مضافة داخل السوق السورية. -إشارة للمستثمرين الدوليين حيث دخول شركات بحجم سيمنز إلى السوق السورية يرسل إشارة قوية للمجتمع الاستثماري الدولي بأن البيئة الاستثمارية بدأت تنضج، مما يقلل من تصور المخاطر ويشجع شركات أخرى على الدخول.
ففي ظل التحول العالمي نحو الطاقة، تمتلك سورية ميزات نسبية مهمة كالموقع الجغرافي الذي يخولها ليكون ممرا للطاقة من الخليج والعراق إلى أوروبا. والإشعاع الشمسي العالي الذي يؤهلها لمشاريع الطاقة الشمسية واسعة النطاق. والموقع على البحر المتوسط.
لكن لايمكن أن تترجم هذه المشاريع الى مناحي تنفيذية ما لم تتم مواجهة التحديات الفنية والتمويلية، كشبكات النقل والتوزيع المتضررة، والحاجة إلى إعادة تأهيل المحطات الحرارية لتكون قادرة على استيعاب مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة. والعقوبات المتبقية التي تشكل عائقا أمام التحويلات المالية، مما يستدعي آليات مصرفية مبتكرة أو خطوط ائتمان أوروبية مضمونة. كما أن حجم الاستثمار المطلوب يفوق قدرة الموازنة العامة، مما يستلزم الاعتماد على نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).
اما زيارة بريطانيا (التي تبدأ اليوم) فهي خطوة تمثل امتدادا طبيعيا للزخم الذي بدأ في برلين، لكنها تحمل أبعاداً جيوستراتيجية إضافية. مما يشير إلى تنسيق أوروبي بريطانيا متزايد حول الملف السوري، مع خصوصية بريطانيا ببعدها المالي والاستثماري العالمي.
فإعادة التواصل مع المستثمرين الألمان والبريطانيين يمثل نقلة نوعية من مرحلتين: -مرحلة إعادة الإعمار الفوري، حيث يمكن أن تسهم الاستثمارات في قطاعات التشييد والبنية التحتية في خلق فرص عمل سريعة وتحفيز الطلب المحلي. -مرحلة التحول الهيكلي حيث يمكن أن تسهم الاستثمارات في الطاقة والخدمات اللوجستية في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد السوري ليكون أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على الاستيراد.
أما القطاعات التي يمكن أن تحقق أسرع تأثير اقتصادي ملموس فتبدأ بقطاع الطاقة كونه الأكثر إلحاحا، وأي تحسن فيه ينعكس مباشرة على تشغيل المصانع وضخ المياه وتحسين جودة الحياة. وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث يمكن لشركات أوروبية أن تدخل بسرعة وتحدث تأثيرًا بنسب استثمار منخفضة نسبياً. ثم قطاع الخدمات اللوجستية والنقل خاصة في ضوء التداول بمشاريع أنابيب نقل النفط والغاز العراقي والقطري عبر سوريا بطاقة قظ تصل إلى أربعة ملايين برميل يوميًا، وتكرير مليون برميل كمثال. فهذه المشاريع لا تقتصر منافعها على سورية فقط، بل تمتد لتشمل أوروبا التي تبحث عن مصادر طاقة بديلة. بالتالي فالبعد الاستراتيجي: سوريا كممر للطاقة والتجارة موجود على طاولة المباحثات في لندن، حيث من المتوقع أن تتصدر ثلاثة ملفات رئيسية جدول الأعمال: -تثبيت العلاقات الدبلوماسية والإعلان عن إعادة فتح السفارة السورية في لندن والسفارة البريطانية في دمشق، كبوابة ضرورية لتسهيل حركة رجال الأعمال وتفعيل آليات التعاون. -معالجة الملف الأمني ومكافحة الإرهاب في ظل المخاوف البريطانية من عودة التنظيمات المتطرفة، بالتالي ستكون هناك حاجة لتطوير آليات تعاون أمني تضمن عدم تحول مناطق شمال شرق سوريا إلى بؤر تهديد أوروبية. -الملف الاقتصادي الاستراتيجي حيث من المتوقع أن تعلن الحكومة البريطانية عن “مخطط لتمويل الصادرات” موجه للشركات البريطانية الراغبة في العمل داخل السوق السورية، لا سيما في قطاعات البنية التحتية والطاقة.
في خضم هذه المتغيرات، تمثل زيارة الرئيس الشرع إلى بريطانيا أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي، إنها لحظة إعادة اكتشاف لمركزية سورية في معادلات الاستقرار والربط الإقليمي. فمع نتائج الحرب، بعد أن تضع أوزارها، يمكن انوتجعل من سورية الممر البري الحيوي الذي يعيد تعريف الربط بين الشرق والغرب. ومع استمرار الحرب في بعض جبهات المنطقة، يظل الرهان على أن الاستقرار المستدام والسلام هما المدخل الحقيقي لتحقيق المصالح الاقتصادية الكبرى، وأن سوريا، بموقعها الفريد، قادرة على أن تكون جسراً لا حاجزاً وممراً لا ساحة صراع.