* عوديد عيلام: الرئيس السابق لشعبة مكافحة الإرهاب في الموساد، وباحث في مركز القدس للشؤون الخارجية والأمنية
الخبير السوري – ترجمة غسان محمد في الساعة السادسة صباحا، أقلعت الطائرات. وبعد ساعتين ونيّف، ألقت نحو ثلاثين قذيفة بعيدة المدى على المُجمّع الرئاسي في طهران. وفي غضون فترة وجيزة، اغتيل علي خامنئي وعدد من كبار مسؤولي النظام، بمن فيهم قائد الحرس الثوري ووزير الدفاع. وفقا للتقارير، اتُخذ القرار بعد أشهر من التنسيق الاستخباراتي الأمريكي الإسرائيلي، وحُدد التوقيت بناءً على معلومات دقيقة تُفيد بأن قيادة النظام كانت تجتمع ذلك الصباح في قلب المُجمّع، فوق سطح الأرض وليس في أعماق الملاجئ. لكن من ينظر فقط إلى لحظة الإقلاع والانفجار، يُغفل جوهر المسألة. ساحة المعركة الحديثة لا تُحسم بالدبابات والطائرات وحدها، بل بالبيانات، وسهولة الوصول إليها، والثقة، والتوقيت المناسب. كانت الطائرات مجرد وسيلة، أمّا القرار فقد اتُخذ قبل ذلك بكثير. بعد حرب الأيام الاثني عشر في صيف عام ٢٠٢٥، تكثفت جهود جمع المعلومات. في تلك الحرب، لم تُبذل أي محاولة لاغتيال خامنئي لأنه كان مختبئا في أعماق منشآت تحت الأرض. ولكن في ذلك الوقت تحديدا، تمت دراسة وفحص أنماط تحركات وتواصل القيادة العليا. أصبح كل روتين يومي بمثابة معلومة، ورُبطت كل معلومة بأخرى. وهكذا، بُنيت تدريجيا صورة شاملة تُحدد نمط حياة. في عصرٍ تترك فيه كل حركة آثارا رقمية، لا يوجود ملجأ مُحصّنا تماما. يمكنك النزول إلى أعماق الأرض، لكن من الصعب الاختفاء تماما. يتحدث الناس إلى الأشخاص أنفسهم، ويسلكون الطرق نفسها، ويعقدون اجتماعات في أوقات مُنتظمة. وفي المنظمات شديدة المركزية، حيث تصب كل الجهود في مركز واحد، تصبح هذه الأنماط أكثر وضوحا. في النظام الإيراني، لا يُمثّل القائد رمزا فحسب، بل هو مركز المعرفة والسلطة. وعندما يفقد هذا النظام قائده، يفقد معه جزءا من ذاكرته التنظيمية وقدرته على السيطرة. وفي الأنظمة الشمولية، لا تُوزّع المعرفة، بل تُحصر في أيدي أفراد مُحدّدين. وبمجرد رحيلهم، ينشأ فراغٌ هائل. لذا، فإنّ أهمية القضاء على القائد ليست عسكرية فحسب، بل هي معرفية ومنهجية. تعتمد هذه الأنظمة على إظهار الحصانة، وعلى الشعور بأنّ القيادة العليا عصيّة على الوصول إليها. عندما يُمكن استهداف الشخصية الأكثر أمانا، يمتدّ الخلل إلى ما هو أبعد من الموقع المُستهدف، ويتسرّب إلى دوائر صنع القرار والشارع على حدّ سواء. لا يتحقق النجاح في مثل هذه العملية بلحظةً واحدة، بل هو ثمرة صبر، وجمع معلومات على مرّ الزمن، وبناء قنوات اتصال، وربط الذكاء البشري بالقدرات التكنولوجية. ومتى ما نضجت المعلومات، لا يتطلّب الأمر سوى توقيت دقيق. دقيقة واحدة كفيلة بتغيير منطقة بأكملها، لكنّ هذه الدقيقة تعتمد على سنوات من العمل الدؤوب. يدخل العالم حقبةً لا تُقاس فيها القوة بكمية السلاح فحسب، فالأسلحة ليست الوسيلة الوحيدة لهزيمة العدو، بل القدرة على فهمه بعمق واختيار اللحظة المناسبة لكشفه. من يفهم هذا، يسيطر على زمام الأمور، ومن يسيطر على زمام الأمور، يستطيع تحديد متى سيحدث التحول التاريخي. ما الذي جعل اغتيال خامنئي حدثا استراتيجيا وليس مجرد حدث عسكري..؟ إلى جانب الضرر المادي، تُعدّ هذه ضربةً قويةً لمركز السلطة والمعرفة في نظام شديد المركزية.ع ندما يُهيمن شخص واحد على القرارات السياسية والأمنية والدينية، فإنّ القضاء عليه يُحدث صدمةً هيكليةً ومعرفيةً تُؤثر على جميع مستويات النظام. لماذا كان التوقيت حاسمًا لنجاح العملية..؟ استند القرار إلى معلومات استخباراتية دقيقة أشارت إلى وجود عدد قليل من قادة النظام ظاهرا في وقت محدد. ففي عالم تُكتسب فيه الأنماط بمرور الوقت، يُعدّ اختيار اللحظة المناسبة لكشف العدو هو العامل الذي يُحقق التفوق الاستخباراتي. ماذا يُعلّمنا اغتيال خامنئي عن ساحة المعركة الحديثة..؟ يؤكد الاغتيال أن القرارات لا تعتمد فقط على القوة النارية، بل أيضاً على القدرة على جمع البيانات، وبناء قنوات وصول سهلة، وربط المعلومات والتكنولوجيا. دقيقة واحدة من التوقيت المناسب كفيلة بتغيير واقع إقليمي، لكن ذلك يعتمد على سنوات من جمع المعلومات وفهم عميق للخصم.