تندرج المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ضمن سياق تحوّل بنيوي أعمق يشهده النظام الدولي. فالأزمة لا تُقرأ بوصفها صراعًا إقليميًا، بل باعتبارها إحدى حلقات الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى بيئة دولية أكثر تعددية، تتراجع فيها قدرة القوة المهيمنة على فرض قواعد السلوك الدولي. هذا التحول يتقاطع مع ما تصفه الأدبيات بـ مرحلة ما بعد الهيمنة، حيث تتآكل أدوات السيطرة التقليدية دون أن تتبلور بعد بنية بديلة مستقرة.
1. الإطار النظري: من الواقعية البنيوية إلى نظرية الانتقال القطبي
تقدم الواقعية البنيوية (Waltz) مدخلًا لفهم الأزمة باعتبارها نتاجًا لاختلال في توزيع القدرات داخل النظام الدولي. فمع صعود قوى جديدة، تتزايد احتمالات الاحتكاك بين القوة المهيمنة والقوى الصاعدة.
أما نظرية الانتقال القطبي (Organski) فتفترض أن لحظات اقتراب قوة صاعدة من القوة المهيمنة تُنتج توترات بنيوية، خصوصًا عندما تكون القوة الصاعدة غير مندمجة في النظام القائم. في هذا السياق، تصبح إيران إحدى نقاط الاحتكاك بين بنية دولية تتراجع وأخرى تتشكل.
وتضيف نظرية الاستقرار الهيمني (Kindleberger) بُعدًا آخر، إذ ترى أن النظام الدولي يفقد استقراره عندما تتراجع قدرة القوة المهيمنة على توفير السلع العامة الدولية (الأمن، الاستقرار المالي، حرية الملاحة)، دون أن تتولى قوة أخرى هذا الدور.
2. إيران كمتغير بنيوي في لحظة انتقالية
تكتسب إيران أهمية تحليلية لأنها تمثل حالة نموذجية لدولة: – خارج التحالفات الغربية التقليدية، – ذات موقع جيوسياسي حاكم لخطوط الطاقة والممرات البحرية، – وتتمتع بقدرة على التأثير عبر شبكة من الفواعل غير الحكومية.
وفقًا للواقعية البنيوية، فإن موقع إيران يجعلها فاعلًا قادرًا على التأثير في توازنات القوة الإقليمية، وبالتالي في ديناميات النظام الدولي. أما وفق نظرية الانتقال القطبي، فهي تمثل نقطة اختبار لقدرة القوة المهيمنة على ضبط سلوك القوى الإقليمية في لحظة تراجع نسبي.
3. الولايات المتحدة: إدارة التراجع في ظل تآكل أدوات الهيمنة
تواجه الولايات المتحدة تحديات بنيوية تتعلق بـ: – تراجع التفوق العسكري النسبي، – توسع النفوذ الاقتصادي الصيني، – عودة روسيا إلى المنافسة الجيوسياسية، – صعود قوى إقليمية تتبنى سياسات أكثر استقلالية.
وفقًا لأدبيات ما بعد الأحادية (Ikenberry)، فإن القوة المهيمنة تحاول في هذه المرحلة الحفاظ على قواعد النظام الدولي عبر مزيج من الردع، والتحالفات، والضغط الاقتصادي. في هذا الإطار، تُقرأ المواجهة مع إيران كجزء من محاولة إعادة تثبيت مركزية الدور الأمريكي، وليس استعادة الهيمنة المطلقة.
4. إسرائيل: فاعل وظيفي داخل البنية الغربية
تتحرك إسرائيل ضمن إطار تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، وتستفيد من بنية دولية وفّرت لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا. وفقًا للواقعية الكلاسيكية، فإن الدول الصغيرة نسبيًا داخل تحالفات كبرى تسعى للحفاظ على بنية النظام التي تمنحها حماية. لذلك، فإن أي تحول نحو تعددية الأقطاب يُقرأ في إسرائيل كتهديد بنيوي، وليس فقط كتحول في البيئة الإقليمية.
5. روسيا والصين: استراتيجيات تراكمية في بيئة انتقالية
روسيا تتبنى موسكو مقاربة تقوم على استثمار انشغال الولايات المتحدة في أزمات متعددة، بما يسمح بتوسيع نفوذها في مناطق مختلفة. وفقًا للواقعية الهجومية (Mearsheimer)، فإن القوى الكبرى تستغل لحظات الارتباك البنيوي لتعزيز مواقعها.
الصين تتبع بكين استراتيجية طويلة الأمد تقوم على: – تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، – تعزيز القوة الاقتصادية والتكنولوجية، – بناء شبكات نفوذ عبر التجارة والاستثمار.
هذه المقاربة تتسق مع ما تسميه الأدبيات بـ الصعود الهادئ، حيث تراكم القوة يتم دون تحدٍ مباشر للنظام القائم، بل عبر إعادة تشكيله تدريجيًا من الداخل.
6. أوروبا: فاعل متأثر أكثر منه مؤثر
يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في موقع هش نتيجة: – الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، – الانقسام الداخلي، – التعرض المباشر لتداعيات اضطرابات الشرق الأوسط.
وفقًا للمدرسة الليبرالية المؤسسية، فإن ضعف القدرة الأوروبية على التأثير يعكس تراجع فعالية المؤسسات الدولية التي كانت تشكل رافعة للقوة الأوروبية.
7. ملامح النظام الدولي قيد التشكل
تشير الأدبيات إلى أن الانتقال من نظام إلى آخر لا يتم عبر لحظة حاسمة، بل عبر سلسلة من الأزمات التي تعيد توزيع القوة. في هذا السياق، تتسم المرحلة الراهنة بـ:
– تراجع فعالية المؤسسات الدولية، – تآكل مركزية الدولار، – توسع الحروب بالوكالة، – تحالفات مرنة وغير ثابتة، – غياب مركز قيادة عالمي واضح.
هذه السمات تتوافق مع ما يسميه Buzan وWæver بـ النظام الدولي المتشظي، حيث تتعدد مراكز القوة دون وجود بنية تنظيمية مستقرة.
خلاصة نظرية
تُظهر المواجهة حول إيران أن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية تتراجع فيها قدرة القوة المهيمنة على فرض قواعد السلوك الدولي، فيما تستثمر القوى الصاعدة في هذا التحول دون الانخراط في مواجهة مباشرة. أما القوى الإقليمية، فتتحرك ضمن حسابات تتعلق بموقعها داخل البنية الدولية المتغيرة. في هذا السياق، تصبح إيران نقطة تماس بين نظام يتراجع وآخر يتشكل، ما يجعل الصراع حولها جزءًا من عملية أوسع لإعادة هندسة البنية الدولية.