يكشف الأكاديمي د.زياد أيوب عربش (مستشار اقتصادي وخبير في شؤون الطاقة) في هذا الحوار عن رؤيته لمشهد الاقتصاد العالمي في المدى المنظور على خلفية التطورات المتعلقة وفنزويلا وإيران.
“بعد فنزويلا، المشهد النفطي مع تأزيم علاقة أمريكا بإيران والانعكاسات على اسعار النفط (والغاز) العالمية والامدادات النفطية في حال إغلاق مضيق هرمز”.
*السؤال الأول: بدايةً وبعد إطاحة القوات الامريكية بالرئيس الفنزويلي منذ اسبوعين والتصعيد الأمريكي تجاه إيران اللتي تتفاقم فيها الاحتجاجات الداخلية، كيف ترون مسار أسعار النفط العالمية؟ وهل يمكن أن يؤدي التأزيم الحالي إلى سيناريوهات كارثية؟
بالفعل فالمشهد النفطي اليوم هو انعكاس لهشاشة التوازن الجيوسياسي والجيواقتصادي الكلي (Global Marco Systems)، فمع خسار انتاج نصف مليون برميل باليوم (م. ب/ي) من فنزويلا والتوتر مع ايران، دفع بأسعار خام برنت إلى 85 دولاراً وسيستمر بالارتفاع طالما إيران، التي تقع في أهم مربع نفطي عالمي على الاطلاق، مهددة بضربات أمريكية، وهي التي تتطور فيها الاحتجاجات الداخلية. فهي تمتلك 8% من الاحتياطي العالمي للنفط (السعوديه تقريباً الربع والعراق العشر، كفنزويلا بنفطها الثقيل) تنتج 3.5 م. ب/ي وتصدر منه 1.1 م. ب/ي. ومع باقي دول الخليج تحوز هذه المنطقة على 60% من الاحتياطي العالمي للخام، وعبر مضيق هرمز يمر خمس نفوط العالم الذي ينتج 104 م. ب/ي. فثلاثة دول فقط إيران وقطر وروسيا تحوز على اكثر من نصف الاحتياطي العالمي للغاز العالم. بالتالي لايمكن الاستكانة لاي تصريحات إيجابية بالتعويض عن نفوط منطقة الخليج (وعدم صوابية خطة الرئيس الأمريكي باستثمار 100 مليار دولار في النفط الفنزويلي)، وقد نصل لأسوأ من أزمة 1979، دون إمكانية رفع انتاج إيران قبل سنتين، حتى لو رُفعت العقوبات (بالتفاوض الشامل مع ايراني أو بتغير الحكم فيها).
*السؤال الثاني: مع احتمالية إغلاق مضيق هرمز فعلياً بوجه الملاحة، كيف يمكن أن يؤثر ذلك على الإمدادات العالمية للنفط.
نظرياً يبقى الاحتمال قائماً وجدياً وبنسبة ليست هامشية، فإيران هددت خلال العقود المنصرمة بإغلاق المضيق عشرات المرات لكن لم تفعل ذلك أبدا، باستثناء فترة “التلغيم البحري” أمام السفن اثناء الحرب العراقية الإيرانية (1988-1980)، كون إغلاق المضيق سيكون ضد مصالحها، إلا إذا لجأت لمبدأ “علي وعلى أعدائي”، فبهذه الحالة سينقطع 20 م. ب/ي اي تقريباً خمس الانتاج العالمي والاهم من ذلك تأثر كل دول الخليج التي معظم نفطها يمر عبر المضيق وبحر العرب، ناهيك عن خسارة الصين لأهم إمدادات النفطية الحيوية لاقتصادها المستهلك لمشتقات الطاقة وبشراهة.
*السؤال الثالث: بالتالي، وباحتمال استمرار ارتفاع أسعار النفط، فما الانعكاسات على الاقتصاد العالمي والصين تحديداً؟
إن تأزم العلاقة بين أمريكا وإيران، مع شبح الضربات العسكرية، سيفاقم من ارتفاع أسعار النفط عبر تعطيل الإنتاج والتصدير الإيراني (ومن كل معظم دول الخليج باستثناء جزئي للعراق والسعودية اذا أغلق مضيق هرمز) وبالتالي الغاز وبقية مشتقات الطاقة، ومما يؤدي إلى انعكاسات سلبية وعميقة على الاقتصاد العالمي والصين تحديداً؛ فالارتفاع المتوقع بنسبة 20-30% لاسعار النفط سيرفع مت تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين عالمياً، الامرىالذي سيغذي التضخم بنحو 1-2% سنوياً، ويدفع البنوك المركزية كالفيدرالي الأمريكي لرفع أسعار الفائدة (وهو بالاصل موضع توتر بين الرئيس ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي)، مما يزيد مخاطر الركود في الدول المستوردة كأوروبا بينما تحقق الدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز فوائض مالية مؤقتة.
وفي سياق معدلات النمو العالمي، التي كانت متوقعة عند 3.2% لعام 2026 وفقاً لتوقعات سابقة من صندوق النقد الدولي، قد يؤدي هذا الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة إلى خفض جوهري لهذه التوقعات بنسبة 0.5-1% إضافية، حيث يقلل من الاستثمار والاستهلاك في الاقتصادات المتقدمة، ويبطئ التعافي في الأسواق الناشئة، فالصين ليست فقط اكبر مصّدر عالمي بل أيضا أكبر مستورد عالمي ولكل البصائع زالسلع و الخدمات. الامر الذي سيدفع الصندوق إلى إعادة تقييم سيناريوهاته في تقاريره الربعية القادمة ليعكس مخاطر الركود المزدوج أو التباطؤ الشديد الذي يهدد بتحويل النمو إلى أقل من 2.5% عالمياً إذا استمرت التوترات.
أما الصين، كأكبر مستورد للطاقة بنسبة اعتماد 70% على الواردات، فتواجه ضغوطاً هائلة على ميزان تجارتها بتكاليف إضافية قد تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً، مما يبطئ نموها الذي يساهم بنحو 30% من النمو العالمي، ويؤدي إلى تباطؤ التصنيع والاستهلاك قصير الأمد، مع تسريع انتقالها نحو الطاقة المتجددة إلى جانب دول البريكس الأخرى مثل الهند؛ ومع ذلك، تنجح الصين اقتصادياً في استغلال هذه الأزمة لتعزيز “بعولمة” العالم بقيادتها الاقتصادية من خلال مبادرة الحزام والطريق وسلاسل التوريد العالمية، بينما لم يعد لأمريكا خيار سوى “عسكرة” العالم لفرض هيمنتها، (China succeeds in ‘America’s Globalization,’ whereas America has no choice but to ‘Americanize the World’ through militarization) مما يعمق الاستقطاب الجيوسياسي ويضعف قدرتها على السيطرة الاقتصادية التقليدية.
*السؤال الرابع: في ظل احتمال عدة سيناريوهات: من التهدئة والتفاوض ، إلى متابعة أمريكا سياساتها العدائية حتى مع “الاصدقاء”، كيف ترون اقتصادياً موقع دول المنطقة في هذا النزاع؟
بالفعل كل الاحتمالات واردة من التفاوض(عبر عُمان او دول اوربية مع الصين) الى شن ضربات أمريكية عنيفة مع ردة فعل ايرانية واسعة هذه المرة، مما يعني وصول سعر النفط الى 100 دولار للبرميل، الأمر الذي سيعيق الإمداد العالمي للنفط ومستقاته وللغاز لكن بنفس الوقت يبرز اهمية تحالف دول عديد مع تجمع البريكس ومحاولة الخروج من العباءة الامريكية، ورؤيتنا للمشهد الاقتصادي في الدول العربية يتفق مع معظم خبراء التنمية في الاقليم حيث لابديل عن الاعتماد على الذات وتنويع مصادر نمو الناتج المحلي ومواجهة التحولات البنيوية في الاقتصاد العالمية والرقمنه بدل الارتهان إلى الريع النفطي. فيستحضرني هنا جواب رمزي لوزير النفط الليبي في ثمانينيات القرن الماضي ورئيس الاوبك انذاك عندما سأله احد الصحفيين غداة اجتماع الاوبك في العاصمة النمساوية: ماذا قررتم بشأن اسعار النفط؟ حيث نظر الوزير إلى النافذة بينما كانت الثلوج تتساقط وأجاب اعطونا هذه النعمة وأخذوا كل نفطنا! حيث بلاده كانت تبني ما سمي مشروع النهر الكبير لجر المياه من الصحراء إلى العاصمة. وكان الزمن لم يسمح لمعظم دولنا بتحقيق استدامة التنمية والتي تبقى غاية الغايات.