تشهد منطقة ريف حلب الشرقي، ولا سيما محيط دير حافر، توتراً متصاعداً بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في ظل جمود سياسي يعرقل مسار التفاهمات السابقة، ويعيد طرح سيناريوهات التصعيد المحدود أو الاشتباك الميداني المحسوب. هذا التطور يأتي في لحظة حساسة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع اعتبارات دولية وإقليمية معقدة، ما يجعل دير حافر نقطة اختبار جديدة لتوازنات ما بعد الحرب في سوريا.
* الأهمية الاستراتيجية لدير حافر
تكتسب دير حافر موقعاً محورياً لعدة أسباب: – تمثل خط تماس مباشراً بين مناطق سيطرة الحكومة السورية ومناطق نفوذ «قسد». – تشكل ممراً حيوياً يربط شرق حلب بشرق الفرات. – شهدت خلال الأيام الأخيرة إعلانها منطقة عسكرية مغلقة من قبل دمشق، مع نشر خرائط تحذيرية وفتح ممرات إنسانية، وهي إجراءات تُقرأ عادةً كخطوات استباقية لاحتمال توسّع الاشتباكات. – تزامن ذلك مع تعزيزات دفاعية لـ«قسد» وتحصينات جديدة رفعت مستوى الاحتكاك الميداني.
ورغم أن الاشتباكات بقيت محدودة النطاق،فإن طبيعة التحركات العسكرية تشير إلى مرحلة حساسة قد تتطور وفقاً لمعادلات الضغط المتبادل.
* الولايات المتحدة: سياسة احتواء دقيقة
تواصل الولايات المتحدة، الداعم العسكري الأبرز لـ«قسد» في إطار مكافحة تنظيم داعش، اتباع سياسة تقوم على منع الانزلاق نحو مواجهة واسعة بين الأطراف المحلية. وتتركز أولويات واشنطن على: – الحفاظ على الاستقرار الأمني في مناطق شرق الفرات. – ضمان استمرار التنسيق العملياتي ضد داعش. – تشجيع مسار التسوية التفاوضية بين «قسد» والحكومة السورية، رغم تعثره في الأشهر الأخيرة.
وحاليا لا تتوافر أي مؤشرات موثوقة على نية واشنطن تنفيذ عمليات عسكرية جديدة شرق الفرات على خلفية التوتر الحالي.
* تركيا: مراقبة دقيقة وخيار القوة قائم
تتابع أنقرة التطورات شرق حلب باهتمام بالغ، انطلاقاً من اعتبارها «قسد» تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ورغم إبقاء الخيار العسكري مطروحاً، فإن تركيا: – تحسب كلفة أي عملية واسعة قد تؤثر في علاقاتها مع واشنطن. – تفضّل الضغط غير المباشر على «قسد» عبر مراقبة التحركات الميدانية. – تسعى إلى تجنب موجات نزوح جديدة قد تنجم عن تصعيد غير منضبط.
وبذلك، تبدو أنقرة في موقع المتربص الذي يراقب ميزان القوى دون الانخراط المباشر في المواجهة.
* روسيا: تثبيت الاستقرار ومنع الانفجار
تعمل موسكو على احتواء التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة واسعة، حفاظاً على ترتيبات النفوذ التي أوجدتها خلال السنوات الماضية. وتعتمد روسيا مقاربة تقوم على:
– تشجيع تفاهمات ميدانية مؤقتة بين الجيش السوري و«قسد». – منع أي فراغ أمني قد تستفيد منه أطراف دولية أخرى. – الإبقاء على دور الوسيط لضمان استمرارية مسار التهدئة.
وتدرك موسكو أن أي تصعيد واسع شرق حلب قد يهدد الاستقرار النسبي الذي تسعى إلى تثبيته في شمال سوريا.
* تصعيد مضبوط… وخطر الانزلاق قائم
تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن:
– التوتر شرق حلب حقيقي لكنه قابل للاحتواء. – الجمود السياسي بين دمشق و«قسد» يشكل عامل ضغط مستمراً قد يفتح الباب أمام احتكاكات جديدة. – الأطراف الدولية الفاعلة—وخاصة الولايات المتحدة وروسيا—تتجه إلى منع أي انفجار واسع. – السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في تصعيد محدود قابل للضبط، مع بقاء احتمال الانزلاق قائماً إذا استمر غياب الحلول السياسية.
وبذلك، تتحول دير حافر إلى مؤشر حساس على شكل التوازنات المقبلة في شمال سوريا، وعلى قدرة الأطراف المحلية والدولية على إدارة مرحلة ما بعد الحرب دون الانجرار إلى مواجهات أوسع.