لا يبدو أن دونالد ترامب جاء ليُجري تعديلات تجميلية على النظام العالمي، بل ليقلب الطاولة على نموذج استقر لعقود. فالرجل لا يؤمن بالنظام الليبرالي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يرى في المؤسسات الدولية سوى قيود تكبّل “القوة الأمريكية” التي يعتقد أنها تراجعت بسبب الإفراط في التزامات لا تعود بالنفع المباشر على واشنطن. من هنا، تتضح ملامح رؤية ترامب: عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق الصفقة لا بمنطق القاعدة، وبحسابات الربح والخسارة لا بحسابات الشرعية الدولية.
✦ عالم ترامب: القوة أولًا… والباقي تفاصيل
في رأيي، ما يطرحه ترامب ليس مجرد سياسة خارجية مختلفة، بل فلسفة حكم كاملة. فهو يرفض التعددية الدولية لأنها – من وجهة نظره – تمنح الآخرين حقًا في التأثير على القرار الأمريكي. ويستبدل التحالفات الجماعية بعلاقات ثنائية مرنة، يستطيع من خلالها فرض شروطه دون أن يلتزم بتوازنات معقّدة. حتى الاقتصاد، الذي كان يُنظر إليه كأداة تعاون عالمي، تحوّل في عهد ترامب إلى سلاح سياسي: عقوبات، رسوم جمركية، ضغوط تجارية… كل ذلك تحت شعار “أمريكا أولًا”.
هذه الرؤية لا تصنع نظامًا عالميًا مستقرًا، لكنها تصنع عالمًا أكثر وضوحًا: الأقوى يربح، ومن لا يمتلك أوراق القوة عليه أن يتكيّف.
✦ الدين في خطاب ترامب: أداة لا مرجعية
لا يحتل الدين موقعًا فكريًا في رؤية ترامب، لكنه حاضر بقوة في خطابه السياسي. داخليًا، يوظّف الخطاب المسيحي المحافظ لتعزيز قاعدته الانتخابية. خارجيًا، يتعامل مع الدين كعامل أمن أو تهديد، لا كقيمة أو منظومة أخلاقية. حتى دعمه لإسرائيل، رغم توظيفه للبعد الديني، يبقى في جوهره قرارًا سياسيًا يخدم تحالفات ومصالح، لا رؤية لاهوتية أو عقائدية.
✦ ترامب وبوتين: علاقة بين الشكوك والبراغماتية
لا يمكن الحديث عن رؤية ترامب للعالم دون التوقف عند علاقته بالرئيس الروسي. هذه العلاقة أثارت جدلًا واسعًا، لكنها – في جوهرها – تعكس منطق ترامب نفسه: الصفقة قبل التحالف. فالرجلان تبادلا رسائل أقل حدّة من المعتاد بين واشنطن وموسكو، وظهرت بينهما مساحة تفاهم في ملفات مثل مكافحة الإرهاب والطاقة والحد من التسلح. لكن الخلافات بقيت حاضرة: أوكرانيا، العقوبات، النفوذ في الشرق الأوسط… ما جعل العلاقة تبدو كأنها تفاهمات مؤقتة لا ترتقي إلى شراكة استراتيجية. إنها علاقة تُدار بمنطق “ماذا يمكن أن نربح الآن؟” لا بمنطق “ماذا يمكن أن نبني على المدى الطويل؟”.
✦ نظام بلا قيم… وعالم بلا يقين
في النهاية، ما يقدّمه ترامب ليس نظامًا عالميًا جديدًا بقدر ما هو تفكيك للنظام القديم. إنه عالم تُختزل فيه السياسة إلى معادلة بسيطة: القوة تصنع الحق، والمصلحة تصنع الشرعية. الأديان فيه أدوات خطابية، والتحالفات ترتيبات مؤقتة، والعلاقات الدولية ساحات مساومة لا ساحات التزام. قد يراه البعض واقعية سياسية، وقد يراه آخرون وصفة لفوضى طويلة، لكن المؤكد أن رؤية ترامب تركت بصمتها على شكل العالم، وأن آثارها ستبقى حتى بعد مغادرته المسرح السياسي.