السعودية تـُعيد إحياء بيئة “البزنس السوري”…مليارات الدولارات للتوظيف المباشر

الخبير السوري:

الإعلان عن تأسيس مجلس الأعمال السعودي – السوري لاقى ترحيباً كبيراً في أوساط رجال الأعمال السوريين، بخاصة أن المجالس يمكن أن تلعب دوراً مهماً في خلق مسار للحوار بين مجتمع الأعمال والجهات الحكومية.

وصف اقتصاديون سوريون الموجة الأخيرة من الاستثمارات السعودية التي أُعلن عنها قبل أيام في دمشق بأنها استراتيجية والأكثر وزناً وثقلاً على المستوى الاقتصادي، خصوصاً أن غياب الاستثمار عن سوريا منذ عام 2010 أدى إلى تدهور شبه كامل في البنية التحتية، ما يجعل الاتفاقيات والاستثمارات الأخيرة بمثابة فتح الباب أمام إعادة تأهيل قطاعات أساسية، وتحويل البلاد مجدداً إلى بيئة جاذبة للمستثمرين على التوازي مع انطلاق عملية التعافي الاقتصادي، ودفع عجلة النمو، وتوفير فرص العمل، وزيادة الإنتاج في القطاعات الصناعية والخدمية.

اتفاقيات ومشاريع على طريق التنفيذ

الاستثمارات السعودية الجديدة حملت طابع الجدية، وبعضها أخذ طريقه نحو البدء بالتنفيذ، بخاصة أن غالبها جاء على شكل عقود وليست مجرد مذكرات تفاهم.

كشفت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية عن اتفاقية لإطلاق “طيران ناس سوريا”، على أن تبدأ أعمالها التشغيلية في الربع الرابع من عام 2026.

وستتوزع حصص الملكية بواقع 51 في المئة للهيئة العامة للطيران المدني السوري، و49 في المئة لشركة “طيران ناس” السعودية، التي ارتفع سهمها بنسبة 5.7 في المئة بعد أن أعلنت عن مشروعها في سوريا.

إلى ذلك، توقع متابعون أن يشعر المواطن السوري ببدايات الأثر من العقود الموقعة مع الجانب السعودي، بخاصة في قطاع الخدمات ومشاريع الاتصالات وتشغيل الكابلات الضوئية، إذ قطع “مشروع سيلك لينك” شوطاً مهماً باتجاه البدء بالتنفيذ بعد فوز شركة “أس تي سي” السعودية بعرض استثماره.

وأفصحت شركة “أس تي سي” ضمن سوق “تداول” السعودية عن فوزها بمشروع ضخم لتطوير البنية التحتية الرقمية في سوريا بقيمة استثمارية تصل إلى 3 مليارات ريال (800 مليون دولار)، والمشروع سيكون بالشراكة مع الصندوق السيادي السوري، بحيث تمتلك “أس تي سي” حصة 75 في المئة، ويمتلك الصندوق حصة 25 في المئة.

جاء إطلاق صندوق “إيلاف” السعودي للاستثمار في سوريا بمشاركة القطاع الخاص بعد حوكمته وترخيصه في سوق المال السعودية، ما يدل على الجدية والرغبة الكبيرة في الانتقال إلى المراحل التنفيذية سريعاً، بخاصة بعد تفعيل قنوات التحويلات المصرفية بين البلدين.

ويستهدف صندوق “إيلاف” تطوير وتشغيل مطاري حلب القديم والجديد بقيمة استثمارية تصل إلى 7.5 مليار ريال (ملياري دولار)، إلا أن المهم جاء في حديث وزير الاستثمار السعودي خالد بن عبد العزيز الفالح، الذي قال خلال زيارته الأخيرة لدمشق إن “لا حدود للاستثمارات السعودية في سوريا”، واصفاً الاستثمارات التي أُعلن عنها بـ”قاعدة” لانطلاقة استثمارات سعودية أوسع في البلاد، مؤكداً أن زيارة الوفد السعودي والإعلان عن الاستثمارات والعقود الجديدة يستندان إلى رؤية مشتركة لبناء مستقبل مشترك.

كل ذلك خلق حالاً من الارتياح بانطلاق عملية استثمارية واسعة متعددة الأقطاب في سوريا، تكون رؤوس الأموال والمشاريع السعودية حجر الزاوية فيها.

الاستثمارات أفضل من الودائع التقليدية

أوساط اقتصادية سورية رأت أن الحصاد الاستثماري السعودي – السوري كان استثنائياً، وتشير المعطيات إلى أنه يسير نحو التنفيذ، وبرأي الاقتصادي السوري زياد عربش، فإن البلاد بحاجة إلى الاستثمارات، وهذا أفضل من إيداع الودائع المالية التقليدية.

ووصف عربش الاتفاقيات التي أطلقتها الرياض في سوريا بأنها تعكس رؤية السعودية في التركيز على تنويع الاقتصادات وتعزيز الشراكات الإقليمية، مما يجعل هذه الاستثمارات أكثر أهمية من الودائع المالية التقليدية، كونها تخلق فرص عمل متنامية ومستدامة وتدعم الإصلاحات المالية الهيكلية من خلال تدفقات رأس المال الفعّالة “سلع وتجهيزات تكنولوجية – رأسمالية”، بدلاً من الاعتماد على المساعدات الموقتة، لافتاً إلى الأبعاد الاقتصادية لدخول الاستثمارات السعودية ودورها في الدفع بعملية التعافي الاقتصادي ومساعدة بلاده على النهوض من جديد.

إنهاء مشكلة الإنترنت والاتصالات

جاء الإعلان عن مشروع “سيلك لينك” لإنهاء مشكلة الإنترنت والاتصالات في سوريا، وللإعلان أيضاً عن انتهاء مرحلة الوعود والبدء بالتنفيذ، وهو ما ذهب إليه المتخصص في مجال الاتصالات معن أسعد، الذي أكد أن المشروع، والذي وُصف بأنه من أكبر مشروعات البنية التحتية الرقمية في البلاد، وربما من بين الأضخم عالمياً، يبدو كالبساط الذي يمكن أن تُفرد عليه كل المشاريع، فأي استثمار بحاجة إلى بنية اتصالات قوية وخدمية، وقال “أعتقد أن ضعف الاتصالات وتهالكها يشكل أحد الأسباب التي حالت دون اتخاذ القرار بالقدوم إلى سوريا والاستثمار فيها”.

وأضاف لـ”اندبندنت عربية”، “كيف يمكن لبلد كسوريا أن يتطور ويتحول إلى اقتصاد ناشئ ومساير للتطور العالمي إذا لم يكن هناك قطاع اتصالات قوي ومواكب للتطورات العالمية؟، هذا ما سيوفره مشروع سيلك لينك حقاً، عدا عن البعد الإقليمي للمشروع، والذي سيضع سوريا في سياق دولي يُقدِّر موقعها الجغرافي والتجاري”.

وأشار إلى أن المشروع “جاء كفرصة استثنائية لردم فجوة مستمرة منذ 15 عاماً بين سوريا والعالم الذي تطور تقنياً بشكل كبير”، لافتاً إلى الشبكة الفقارية للإنترنت في سوريا، التي لم تعد قادرة على تلبية الأحمال المتزايدة أو متطلبات مشغلي الاتصالات ومزودي الخدمات.

300 مليار دولار لإعمار سوريا
المقومات الاستثمارية التي تمتلكها سوريا قوية، فهي بحاجة إلى 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، وهو أحدث رقم أُعلن عنه لكلفة الإعمار، وجاء على لسان وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار في سياق حديثه عن عزم شركات تركية بالتعاون مع شركاء من قطر والولايات المتحدة تنفيذ استثمارات كبرى في قطاع الطاقة داخل سوريا، تشمل خمس محطات لإنتاج الكهرباء بكلفة 7 مليارات دولار، ما يعني أن إعادة إعمار سوريا تشكل فرصة كبيرة ليس على المستوى المحلي والإقليمي فحسب، وإنما على المستوى العالمي.

سوريا لا تحتاج فقط لإعمار ما دمرته الحرب من أبنية ومشاريع بنى تحتية، بل لاستثمار ثرواتها التي ظلت كامنة من دون استثمار لعقود طويلة، أو استثمارها بشكل جزئي مثل الفوسفات، التي تملك البلاد منه خامس احتياط عالمي، ويمكن أن يخلق فرصاً استثمارية ويوفر قيماً مضافة عالية في الاقتصاد الوطني عوضاً عن تصديره خاماً.

أيضاً النفط والغاز، فوفقاً للمؤشرات والدراسات هناك احتياطات مهمة منهما سواء في البر أو البحر، بدليل قدوم شركة “شيفرون” للاستثمار في المياه الإقليمية السورية.

يقول الاقتصادي عمار يوسف إن الاستثمار في سوريا اليوم هو فرصة عالمية، ومن يسبق سيكون الرابح الأكبر، ومن الواضح أن السعودية تريد أن تكون المستثمر الأهم في البلاد، مشيراً إلى أن العقود الأخيرة تؤكد البعد الاستراتيجي في طريقة إدارة الرياض لاستثماراتها في الخارج من خلال التوسع المدروس خارج حدودها.

وأشار إلى أن قدرة سوريا على تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى عقود تنفيذية ستمكّنها من تلمس طريق التعافي بشكل صحيح، وهذا، برأيه، يحتاج إلى توافر ظروف مناسبة، وكلما تمكنت الحكومة من توفيرها اقتربت الاستثمارات من التنفيذ.

وأوضح لـ”اندبندنت عربية” أن سوريا اليوم تمتلك قانون استثمار جيداً ويلاقي قبولاً من المستثمرين، لكن المطلوب وضعه في بيئة استثمارية يتوافر فيها الحد المطلوب من الأمن بمفهومه الطبيعي، أي انتفاء وجود المظاهر المسلحة والقلاقل، وتأمين بيئة يسود فيها الاستقرار.

وتابع، “يجب تحقيق الأمن الاقتصادي، بمعنى وضع المستثمر في ظروف عمل مثالية تحكمها القوانين الواضحة التي تحمي مصالحه على قاعدة الحقوق والواجبات، لافتاً في هذا السياق إلى أن رفع العقوبات وعودة الآبار النفطية والأراضي الزراعية في الجزيرة تشكل عوامل أمان اقتصادية مهمة.

وأكد أنه كلما كانت حركة الاستثمارات مضمونة ومستدامة أصبحت قادرة على توليد الفرص، ليس فرص عمل فقط، بل فرص تشغيل مرتبطة بها، بمعنى نشوء حلقات عمل واستثمار مرتبطة بالمشاريع الكبرى التي تدخل إلى البلاد، فقطاع البناء يمكن أن يشغّل 200 مهنة دفعة واحدة، وقطاع النفط يخلق الكثير من النشاطات المرتبطة من نقل وخدمات وصيانة.

وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة حراكاً استثمارياً من قبل أفراد وشركات لديهم تطلع للاستثمار في سوريا، لكنهم ينتظرون الظرف المناسب للبدء بإجراءات العمل.

وقال “أعتقد أن وزير الاستثمار السعودي أعطى كلمة السر لانطلاق عملية استثمارية واسعة في سوريا عندما قال: لا حدود للاستثمارات السعودية في سوريا”.

وشدد المتحدث على أهمية أن تقوم الحكومة السورية بالإعلان عن خطة استراتيجية تُكتب فيها بوضوح الأهداف التي تريد الوصول إليها، على أن يكون أهم بندين في الخطة توفير فرص العمل وتحسين معيشة السكان.

دور متقدم لقطاع

الأعمال في البلدين

الإعلان عن تأسيس مجلس الأعمال السعودي – السوري لاقى ترحيباً كبيراً في أوساط رجال الأعمال السوريين، بخاصة أن المجالس يمكن أن تلعب دوراً مهماً في خلق مسار للحوار بين مجتمع الأعمال والجهات الحكومية. وبرأي ياسر أسعد، وهو رجل أعمال يقود شراكة بين مستثمرين سوريين وسعوديين في قطاع “البناء الاقتصادي”، فإن حماسة رجال الأعمال السعوديين للعمل في سوريا ستُترجم حكماً إلى شركات ومشاريع، وقد لا يطول انتظارها، مدفوعة بالدعم الكبير من حكومتي البلدين لخلق فضاء استثماري واسع في البلاد يكون رأس المال السعودي حجر الزاوية فيه، لافتاً إلى أن صندوق “إيلاف” للاستثمار يبدو كترجمة مباشرة لدور القطاع الخاص.

نصف قرن لتعافي الاقتصاد السوري…حقيقة أم خرافة؟

وأشار أسعد إلى أن تشكيل مجلس الأعمال السعودي – السوري جاء مناسباً في توقيته، بخاصة أن هناك الكثير من رجال الأعمال في البلدين لديهم خطط للاستثمار والعمل، إذ يمكن أن يكون مجلس الأعمال المظلة التي يمكن صياغة الكثير من مشاريع العمل تحتها.

تعزيز فرص التبادل التجاري
وقارب الحصاد الاستثماري السوري- السعودي، سواء كان على شكل مذكرات تفاهم أو اتفاقيات، 60 مليار ريال (16 مليار دولار)، منها 20 مليار ريال (5.3 مليار دولار) وفقاً لما أعلنه وزير الاستثمار السعودي، وهي لا تعكس قطعاً احتياجات إعادة الإعمار، بل تأخذ بعداً استراتيجياً يعكس موقع سوريا التجاري والجغرافي وتنوع الإمكانات التي تملكها، الأمر الذي يمكن أن يمنحها فرصاً تنافسية استثنائية تؤهلها للعب دور إقليمي مهم يسرّع من عملية تعافيها الاقتصادي.

لكن بحسب مختصين سوريين، فإن ذلك مرتبط بمدى قدرة الحكومة السورية على إقامة علاقات إقليمية تفضيلية، سواء مع الدول المجاورة بما فيها دول الخليج التي تشكل أسواقاً تقليدية لمنتجاتها، أو مع الدول الأبعد، بخاصة الاتحاد الأوروبي.

وأوضح لـ”اندبندنت عربية” أن التعاون مع السعودية اليوم مفتوح على آفاق واسعة، ولا يقتصر على الاستثمار فقط، بل يمتد إلى خلق تعاون تجاري واسع أيضاً، فالمنتجات السورية تمتلك فرصة تنافسية عالية في أسواق السعودية، ويجب تعزيزها وتوسيعها، مؤكداً أن النجاح يبدو في جزء منه مرتبطاً بتحقيق الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.

قانون الاستثمار السوري

وأصدرت سوريا العام الماضي قانوناً جديداً للاستثمار يتيح للمستثمرين الأجانب تملّك استثماراتهم في سوريا بنسبة 100 في المئة من دون الحاجة إلى شريك محلي، ويقدم ضمانات وحوافز للمستثمرين، منها إمكانية الإعفاء الكامل من الضرائب في بعض القطاعات، وضمان عدم تدخل الحكومة في المشاريع الاستثمارية سواء كانت محلية أو أجنبية.

وتشمل الحوافز الضريبية المقدمة للمستثمرين إعفاءً كاملاً لقطاعَي الزراعة والصحة، وخصومات تصل إلى 80 في المئة من الضرائب في قطاع الصناعة عند تصدير نصف الإنتاج الصناعي إلى الخارج.

وكانت الرياض أعلنت خلال العام الماضي عن استثمارات في سوريا بقيمة 6.4 مليار دولار، موزعة على 47 اتفاقية مع أكثر من 100 شركة سعودية تعمل في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات، إذ جرى توقيعها في منتدى الاستثمار السوري- السعودي في يوليو (تموز) 2025.

وتبلغ الاستثمارات السورية في السعودية 2.24 مليار دولار عام 2023، وفقاً للهيئة السعودية لتسويق الاستثمار. وشهد التبادل التجاري بين البلدين قفزة ملحوظة في عام 2025، إذ بلغ نحو 243 مليون دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى فقط. وتضاعفت الصادرات السعودية إلى سوريا لتصل إلى 324 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025.

اندبندنت عربية/ هيام علي

[ جديد الخبير ]