كيف انطفأ بريق المعادن الثمينة في يوم وليلة

• بيع قسري وجني أرباح عنيف يحول رالي المعادن الثمينة إلى أسوأ انكسار منذ عقود

كتب غالب درويش / اندبندنت عربية

تراجعت أسعار الذهب بوتيرة حادة عند تسوية تعاملات الجمعة، أخر جلسات يناير (كانون الثاني) 2026، لكنها سجلت أطول سلسلة مكاسب شهرية منذ سبتمبر (أيلول) 2025، مدفوعةً بتصاعد الأخطار الجيوسياسية والاقتصادية والتجارية، إذ سجل المعدن الثمين هبوطاً عمودياً أدى إلى فقدان 2.5 تريليون دولار من القيمة السوقية لأصول المعدن في غضون دقائق لتصل الخسائر السوقية 5 تريليونات دولار في جلستين فقط.

وانخفضت العقود الآجلة للمعدن الأصفر تسليم فبراير (شباط) بنسبة 11.37 في المئة أو 604.5 دولار إلى 4713.90 دولار للأوقية، لتسجل خسارة أسبوعية بلغت 5.33 في المئة.

ذكريات 1983
أعاد الانهيار الحالي في أسعار الذهب الفورية – بنحو 12 في المئة، وهو الأكبر يومياً منذ عام 1983 – إلى الأذهان ذكريات ذلك العام، إذ انخفض سعر المعدن الأصفر بنسبة مشابهة (حوالي 12 في المئة) في يوم واحد، من مستويات قياسية قرب 850 دولاراً للأوقية إلى أقل من 750 دولاراً، مدفوعاً بسياسات “الاحتياطي الفيدرالي” المتشددة وارتفاع عوائد السندات، مما يعكس نمطاً تكرارياً في ظروف اقتصادية متوترة.

وبنهاية تعاملات الجمعة، استقر سعر الذهب عند 4718 دولاراً للأوقية بعد هبوطه الحاد، وسبق أن سجّل قمماً قياسية قريبة من 5600 دولار في وقت سابق من الأسبوع. وعلى رغم ذلك، حققت عقود الذهب مكاسب بنحو 9 في المئة خلال يناير – الأعلى نسبياً منذ فبراير 2008 – محققةً سلسلة أداء إيجابي للشهر السادس على التوالي.
ولم يكن حال الفضة بأفضل من الذهب، بل كان سقوطها أكثر مدعاة للذعر، إذ هبطت العقود الآجلة تسليم فبراير بنسبة 31.35 في المئة إلى 78.29 دولار، لتتراجع 22.5 في المئة على مدار الأسبوع، لكنها قفزت بنسبة 11.36 في المئة خلال يناير، لتسجل مكاسب للشهر التاسع على التوالي في أطول سلسلة من نوعها على الإطلاق، مما أدى إلى فقدان نحو 1.96 تريليون دولار من القيمة السوقية لأصولها بنهاية تعاملات الجمعة.

وانخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 27.5 في المئة ليصل إلى 84.22 دولاراً للأوقية، مسجلاً أدنى مستوياته اليومية، أما العقود الآجلة للفضة تسليم مارس (آذار)، فقد هوت بنسبة 30.1 في المئة لتستقر عند 82.12 دولار.

ترشيح “وورش” يعزز الدولار الأميركي
جاء تراجع المعادن النفيسة في تعاملات اليوم نتيجة ضغوط جني أرباح أعقبت وصول المعدن النفيس إلى مستوى قياسي قرب 5600 دولار، إلى جانب ارتفاع الدولار وتقييم المستثمرين آفاق السياسة النقدية الأميركية.

وجاءت هذه التحركات الحادة مدفوعة بشكل مباشر بإعلان الرئيس الأميركي “دونالد ترمب” ترشيح “كيفن وورش” لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وشغل سابقاً عضوية مجلس المحافظين، ويُعرف عنه اتباع نهج مشدد تجاه التضخم، مما عزز آمال الحفاظ على استقلالية البنك، وهو ما عزز مؤشر الدولار الأميركي بنسبة 0.85 في المئة ليصل إلى 97.07 نقطة، إذ رأت الأسواق في هذا التعيين ضمانة لاستقلالية البنك المركزي ونهجاً صارماً قد يعيد الانضباط للسياسة النقدية الأميركية.

تشخيص “صدمة وورش” والبيع القسري
قال محللون لـ”اندبندنت عربية”، إن الزخم البيعي اكتسب قوة هائلة خلال تداولات فترة ما بعد الظهر في الولايات الأميركية، إذ سارع المستثمرون الذين حققوا مكاسب تجاوزت 20 في المئة منذ مطلع يناير إلى جني الأرباح بشكل جماعي.

محطة تاريخية
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد “تشارترد”، وضاح الطه، أن عام 2025 شكّل محطة تاريخية في مسار المعادن الثمينة بعد أن سجل الذهب قفزات سعرية قياسية تجاوزت 73 في المئة، وهي موجة صعود لم تكن بمعزل عن أداء الفضة التي تفوقت نسبياً على المعدن الأصفر، لتنسف بذلك “النسبة الذهبية” التاريخية التي استقرت لعقود عند (1 إلى 18)، وصولاً إلى فجوة بلغت أحياناً (1 إلى 88).

ويرى الطه أن التراجعات الطفيفة بنسبة 4 في المئة أو 5 في المئة لا يمكن تصنيفها كـ “تصحيح سعري” بمفهومه التقني، بل هي مجرد عمليات جني أرباح منطقية تسبق استئناف الاتجاه الصاعد في النصف الثاني من العام.

ويعزو الطه هذا الزخم إلى تضافر أربعة محركات استراتيجية تعمل في نسق واحد؛ تصدرتها المشتريات الضخمة للبنوك المركزية التي بلغت نحو 1100 طن، يضاف إليها تصاعد الأخطار الجيوسياسية، وتراجع مؤشر الدولار، والرغبة المتزايدة في التحوط من التضخم.

وأكد الطه أن هذا المشهد وضع دولاً مثل روسيا والصين في موقع المستفيد الأكبر بفضل احتياطاتهما وإنتاجهما الواسع، مما عزز من مراكزهما المالية الدولية.

ويتوقع الطه، أن يمتد هذا الصعود ليشمل معادن استراتيجية كالنحاس والليثيوم خلال عام 2026 نظراً لمحدودية احتياطيتها وثبات معروضها أمام الطلب الصناعي المتزايد، خاصة للفضة التي تواجه تحديات لوجستية في التخزين والنقل على رغم جاذبيتها الاستثمارية.

وفيما يخص مشهد العملات، يتبنى الطه رؤية مغايرة لمن يراهنون على انهيار وشيك للدولار، معتبراً أن انخفاض قيمته هو تحرك “تكتيكي متعمد” يقع تحت سيطرة الإدارة الأميركية، حيث تهدف واشنطن من خلاله إلى تعزيز تنافسية صادراتها وتسهيل سداد ديونها السيادية.

وتوقع الطه أن تكتسب هذه السياسة زخماً إضافياً بحلول مايو (آيار) مع التغيير المرتقب في رئاسة “الاحتياطي الفيدرالي” والتوجه نحو خفض أسعار الفائدة، مؤكداً أن ضعف الدولار في هذه المرحلة ليس خروجاً عن السيطرة، بل هو أداة ضمن خطة مالية محكمة لخدمة المصالح الاقتصادية العليا للولايات المتحدة.

جني أرباح مشروع
في تحليله لموجة الهبوط الأخيرة، أوضح خبير الأسواق العالمية والاقتصاد الدولي، محمد كرم، أن تراجع أسعار الذهب لا يمكن تصنيفه كـ “تصحيح سعري” بمفهومه التقليدي، بقدر ما هو عمليات جني أرباح مشروعة عقب رالي صعودي سريع، مبيناً أن حدة هذا الهبوط تسارعت بفعل ما يُعرف بـ “ضغط غاما”، إذ اضطر المتعاملون لتسييل مراكزهم تزامناً مع وصول مؤشر القوة النسبية للذهب إلى 90 نقطة، وهو أعلى مستوى تشبع شرائي منذ عقود، ما أدى بالتبعية إلى تراجع أسهم كبار المنتجين مثل “نيومونت” و”باريك ماينينغ” بنسبة فاقت الـ 8 في المئة.

وعلى رغم هذه التقلبات، بين كرم أن هناك أربعة عوامل رئيسة تضمن عودة واستمرار الاتجاه الصاعد للمعدن الأصفر، يتصدرها استمرار البنوك المركزية في الشراء بكثافة بواقع 1100 طن خلال 2025، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، والتحوط من التضخم، بالإضافة إلى الانخفاض المتعمد في قيمة الدولار، لافتاً إلى أن كسر مستويات المقاومة النفسية عند 5000 دولار للذهب و100 دولار للفضة يفتح الباب أمام مرحلة من التقلبات العنيفة التي تستوجب حذر المستثمرين.

وفيما يخص مشهد العملات، استبعد كرم فرضية انهيار الدولار، واصفاً تراجع قيمته بأنه تحرك “متعمد ومسيطر عليه” من قبل واشنطن بهدف دعم التنافسية التصديرية وسداد الديون السيادية بتكلفة أقل.

وأضاف أن هذا التوجه مرشح للاحتدام في الأشهر المقبلة مع التغيير المرتقب في رئاسة “الاحتياطي الفيدرالي”، مرجحاً أن يرضخ البنك المركزي للضغوط ويخفض أسعار الفائدة بوتيرة تتجاوز توقعات الأسواق الحالية.

وأشار إلى الدور المحوري للمستثمرين الصينيين الذين قادوا زخم الشراء لدرجة استدعت تدخل بورصة شنغهاي لتهدئة الأسواق، مؤكداً أن النظرة العامة لعام 2026 تظل “إيجابية بامتياز” للمعادن الاستراتيجية، نظراً لمحدودية الاحتياطات وثبات المعروض أمام الطلب الصناعي المتزايد، على رغم التحديات اللوجستية المرتبطة بتخزين ونقل الفضة بكميات ضخمة.

[ جديد الخبير ]