إعادة ترتيب جديدة لخارطة استثمارات النفط السوري…الأميركي يتصدر قائمة الحظوظ

الخبير السوري:
في تحول يعد الأكبر في قطاع الطاقة السوري منذ أكثر من عقد، بدأت دمشق مراجعة شاملة لجميع عقود النفط والغاز الأجنبية، تمهيداً لإلغاء بعضها وإعادة التفاوض على أخرى، بالتزامن مع توجه جديد نحو استقطاب شركات أميركية كبرى للاستثمار في الحقول المستعادة. وقبل عام 2011، كانت الشركات الأجنبية تشكّل العمود الفقري لقطاع النفط والغاز في سورية، مستثمرة في حقول رئيسية مثل الفرات ودير الزور وحيان والبوكمال، إلى جانب مشاريع غازية مشتركة، ما أسهم في دعم الإنتاج النفطي والغازي وتعزيز الإيرادات الوطنية.

ومع تصاعد النزاع المسلّح في المناطق الشرقية، توقفت معظم هذه الشركات عن أعمالها، بينما انسحبت شركات كبرى مثل شل وتوتال إنرجي، وأوقفت أخرى نشاطها التزاماً بالعقوبات الدولية، الأمر الذي أدى إلى تراجع الإنتاج وفقدان الدولة السيطرة الكاملة على إدارة الثروة النفطية. اليوم، وبعد رفع العقوبات الاقتصادية واستعادة الحكومة السورية الحقول النفطية والغازية من قوات سوريا الديمقراطية “قسد” يفتح القطاع النفطي الباب أمام مرحلة جديدة ترتكز على إعادة تأهيل الحقول، وتشغيل الإنتاج، وعودة الشركات الأجنبية للاستثمار.

الحضور الأجنبي والتوسّع الروسي

أبرمت الشركات الأجنبية، قبل الثورة، عقوداً طويلة الأمد مع المؤسّسة العامة للنفط لتغطية استثماراتها في الحقول البرية والغازية، فقد بدأت شلّ العمل في حقل الفرات منذ عام 1985، تلتها توتال إنرجي الفرنسية في حقل دير الزور عام 1990، فيما استثمرت شركة إينا الكرواتية في حيان عام 1998، كما دخلت شركات صينية، بينها كوكب للنفط وعودة للنفط، في استثمارات عامَي 2004 و2008، في حين عملت غلف ساندز البريطانية في حقل الدجلة، إلى جانب شركات كندية في إيبلا والرشيد منذ 2010. كذلك دخلت تاتنفت الروسية حقل البوكمال عام 2009، بينما استثمرت سيونكور إنرجي الكندية قبل 2010 في مشروع غاز إيبلا بنسبة 50%، مقابل النصف الآخر للمؤسّسة العامة للنفط.

وبعد اندلاع الثورة في 2011، اضطرت معظم هذه الشركات إلى التوقف أو الانسحاب نتيجة التحديات الأمنية والسياسية والعقوبات الدولية، ما أدى إلى توقف برامج تحديث البنية التحتية وتراجع الإنتاج، وفقدان الدولة القدرة على الاستفادة من خبراتها وتقنياتها، وجعل القطاع في وضع هش أمام الصراعات المسلحة المستمرة. ومع استمرار الحرب، توسعت الشركات الروسية في القطاع، مستفيدة من الدعم العسكري المباشر للنظام السابق.

وكانت أولى العقود الكبيرة مع شركة “سويز نفت غاز” في ديسمبر 2013، بعقد امتياز لمدة 25 عاماً للتنقيب في البحر المتوسط قبالة طرطوس، بالقرب من قاعدة روسية، نص العقد على تمويل استكشاف النفط والغاز بمبلغ 100 مليون دولار، إلّا أن النشاط البحري توقف لاحقاً وجرى تحويل المشروع لشركة روسية أخرى، وسط تساؤلات حول جدوى تعاقد شركة لم تجر حفراً بحرياً مسبقاً، كما تبين أن العقد أبرم عبر شركة مسجلة في بنما قبل ثلاثة أشهر من التوقيع.

وبين 2019 و2020، أبرمت الحكومة عقوداً جديدة مع شركات روسية مغمورة لتغطية التنقيب والإنتاج في مربعات واسعة تشمل حقول النفط والغاز في شمال شرق سورية والشمال القريب من دمشق، بما في ذلك التنقيب البحري. هذه العقود عزّزت وجود الشركات الروسية في مناطق استراتيجية، مع إشراف مباشر على الحماية الأمنية للحقول واستفادة الدولة من عوائد الإنتاج في مناطق سيطرتها.

وعلى النقيض، توقفت الشركات الأجنبية الكبرى التي كانت تعمل قبل 2011 عن الاستثمار أو انسحبت بالكامل، ما أفرغ القطاع من الخبرات والتقنيات الدولية، وأدى إلى تراجع الإنتاج من مستويات تجاوزت 400 ألف برميل يومياً إلى نحو 40 ألف برميل فقط في سنوات الأزمة. وهو ما شكل تحدياً إضافياً للحكومة السورية، التي تحتاج إلى استراتيجيات عاجلة لإعادة تشغيل الحقول وتوفير البيئة الملائمة للاستثمار المحلي والأجنبي بعد رفع العقوبات الاقتصادية رسمياً.

متابعة ملف العقود الأجنبية السابقة

وأكّد مصدر مسؤول في وزارة الطاقة لـ”العربي الجديد” أنّ ملف جميع العقود الأجنبية، سواء التي كانت سارية قبل 2011 أو العقود الروسية بين 2013 و2024، جرى تحويله بالكامل إلى لجنة مشتركة تضم ممثلين عن وزارتَي الطاقة والخارجية وهيئة الاستثمار ووزارة الاقتصاد. وتهدف اللجنة إلى دراسة جميع الاتفاقيات بعناية، وفحص مدى توافقها مع القوانين الوطنية والمعايير الدولية، وسبل حل أيّ مسائل معلقة بطريقة

وأشار المصدر إلى أنّ اللجنة تعمل وفق خطة منهجية تشمل مراجعة كل عقد على حدة، بدءاً من الالتزامات المالية والتقنية، وصولاً إلى التزامات التشغيل والاستثمار، مع التركيز على حماية مصالح الدولة وضمان سيادتها على الثروة النفطية والغازية، وأضاف أنّ هذا الإجراء يتيح للدولة إعادة تقييم الشراكات السابقة، واتخاذ قرارات مدروسة حول إمكانية تعديل العقود أو فسخها أو إعادة التفاوض عليها بما يتوافق مع القانون السوري والمعايير الدولية.

وأكد المصدر أنّ اللجنة تتواصل مع مستشارين دوليين وخبراء قانونيين لمواءمة الحلول المقترحة مع أفضل الممارسات العالمية في إدارة عقود الموارد الطبيعية، ما يعكس حرص الحكومة على إعادة ترتيب القطاع النفطي بطريقة منظمة تضمن عدم تكرار التجارب السابقة، وتهيّئ الأرضية القانونية والاقتصادية لاستقطاب استثمارات جديدة.

خطط التأهيل والتصدير
بدوره، أكد رئيس الشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، أنّ المرحلة المقبلة ستركز على إعادة تأهيل الحقول والآبار المتضرّرة، وتهيئة البنية التحتية لرفع الإنتاج تدريجياً وصولاً إلى مستويات قريبة من الطاقة القصوى السابقة للأزمة. وأوضح قبلاوي لـ”العربي الجديد” أنّ عمليات التنقيب البدائية وغير المنسقة، التي نفذتها بعض الجهات خلال السنوات الماضية، أسهمت كثيراً في تضرّر الحقول وتقليل إنتاجيتها، وخلفت آثاراً فنية معقدة على البنية التحتية للمحطات والآبار.

وقال قبلاوي: “الحقول النفطية لم تتعرض للإهمال فحسب، بل شهدت تنقيبات بدائية أثرت على استقرار الطبقات النفطية والغازية، ما زاد من صعوبة إعادة التأهيل ورفع الإنتاج إلى مستوياته السابقة”. وأشار إلى أنّ حقل العمر في دير الزور، الذي كان ينتج نحو 50 ألف برميل يومياً، تراجع إنتاجه إلى 5 آلاف برميل فقط نتيجة الإهمال والأضرار، ويضم نحو 900 بئر نفطية تُعدّ كنزاً استراتيجياً.

وأوضح أنّ الشركة تعمل على خطة عاجلة لإعادة تشغيل أكبر عدد ممكن من هذه الآبار، مع استعادة ملكية حقل العمر بالكامل بعد انسحاب شركة شلّ وإنهاء أي التزامات مالية سابقة، ما يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة الإنتاج وتحديد وجهات التصدير بما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز الإيرادات. وأكد قبلاوي أنّ الحكومة تنسق مع الجيش لتأمين الحقول وضمان انتقالها السلس إلى إدارة وزارة النفط، مع الاعتماد على الكوادر الوطنية في إعادة التأهيل والاستعانة بالخبرات الخارجية عند الحاجة لضمان نقل المعرفة وبناء قدرات محلية مستدامة.

التوجه نحو الشركات الأميركية

كشف قبلاوي عن اهتمام متزايد من شركات نفط أميركية بالاستثمار في حقول الغاز بمحافظة الحسكة، أبرزها شركة شيفرون، ما يشير إلى عودة الاهتمام الدولي بقطاع الطاقة السوري بعد الترتيبات السياسية الأخيرة. وأضاف أنّ الشركة تسعى لتحقيق نقلة نوعية في مجالَي النفط والغاز عبر شراكات متوازنة مع شركات محلية وأجنبية تراعي السيادة الوطنية وتحقق عوائد اقتصادية مستدامة.

يأتي هذا الاهتمام بعد أن استعاد القطاع النفطي سيطرته، وهو مؤشر على ثقة المستثمرين في بيئة مستقرة نسبياً، بعد سنوات من الصراع والانقسامات، ويتيح تنفيذ مشاريع إعادة التأهيل السريع للحقول وزيادة كفاءة الإنتاج وتقليل الفاقد، بما ينعكس مباشرة على الإيرادات الوطنية وقدرة الدولة على تمويل مشاريع إعادة الإعمار.

النفط أداة استقرار وتنمية
يرى الخبراء أن استعادة السيطرة على النفط السوري ليست مجرد حدث تقني، بل خطوة سيادية حاسمة تعزز قدرة الدولة على تحويل الموارد الطبيعية إلى قوة تنموية، وتوظيفها في خدمة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. وأشار الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي إلى أنّ دخول الشركات الأميركية الكبرى مثل شيفرون يعزز الثقة الدولية ويحفز شركات متعددة الجنسيات على الدخول للاستثمار في قطاعات أخرى، بما فيها النقل والبنية التحتية والطاقة المتجدّدة والتكنولوجيا.

وأضاف أنّ هذه الاستثمارات ستسهم في إعادة تأهيل الحقول المدمرة بخبرات وتقنيات متقدمة، ما يتيح استخراج كميات أعلى من النفط بأسعار مناسبة، وبالتالي إيرادات أكبر لخزينة الدولة، وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، ورفع القدرة الشرائية للمواطنين من خلال خفض تكاليف الطاقة والخدمات. وأوضح الزنبركجي أنّ الاستثمارات الأميركية في القطاع النفطي لن تكون مجرد ضخ أموال، بل تسهم في نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية، وتطوير أنظمة الإنتاج والتكرير، وضمان استدامة الموارد النفطية، كما أنها تمثل مؤشراً إيجابياً لشركات عالمية أخرى لدخول السوق السورية، ما سيخلق دورة اقتصادية متكاملة تشمل النقل والطاقة والبنية التحتية والخدمات، مع عوائد مالية مباشرة وفعالة للدولة والمواطنين.

الإطار القانوني لإعادة ترتيب العقود

مع استكمال مراجعة جميع العقود السابقة من اللجنة المشتركة، أصبح الملف النفطي أمام مرحلة حرجة تتطلب تقييماً دقيقاً من الناحية القانونية. تشمل هذه المرحلة فحص مدى توافق العقود القديمة والحديثة مع القانون السوري، والتأكد من الالتزامات المالية والفنية للشركات، وكذلك دراسة أيّ ثغرات أو أوجه غموض قد تؤثر على حقوق الدولة. وتبرز أهمية هذه الخطوة في توفير بيئة قانونية واضحة للاستثمارات المستقبلية، وضمان حماية مصالح الدولة أثناء إعادة تشغيل الحقول النفطية والغازية، بما يوازن بين جذب الشركات الأجنبية واستدامة الموارد الوطنية.

وفي هذا السياق، يؤكد المحامي الدولي برهوم الشهاب، لـ”العربي الجديد”: “المرحلة الحالية توفر فرصة نادرة للحكومة السورية لإعادة ترتيب جميع العقود السابقة بطريقة قانونية منظمة. العقود الأجنبية المبرمة قبل 2011 والعقود الروسية بين 2013 و2024 يمكن مراجعتها اليوم وفقاً للقوانين السورية والمعايير الدولية للامتيازات النفطية، بعد رفع العقوبات الاقتصادية واستعادة الدولة السيطرة على الحقول النفطية والغازية”.

وأضاف الشهاب: “تمتلك اللجنة المشتركة المشكلة لمراجعة العقود الموقعة صلاحية فحص كل بند من بنود العقود، بما يشمل الالتزامات المالية والفنية والتشغيلية، وتحديد مدى مطابقتها للقوانين الوطنية، مع إمكانية التفاوض على تعديلات أو فسخ العقود التي تخالف مصالح الدولة، كما يمكن دراسة التزامات الشركات الأجنبية السابقة وإجراء تسويات عادلة تضمن استرداد الدولة لحقوقها، مع توفير ضمانات قانونية للاستثمارات الجديدة التي ستأتي في مرحلة إعادة الإعمار”.

وتابع الخبير القانوني: “العقود الروسية التي أُبرمت خلال سنوات الحرب غالباً ما تضمّ ثغرات قانونية أو أوجه غموض نتيجة الظروف الاستثنائية آنذاك. ولذلك؛ يتيح رفع العقوبات واستعادة السيطرة الكاملة على الحقول فرصة لإعادة صياغة هذه العقود بما يحمي سيادة الدولة ويحقق التوازن بين جذب الاستثمارات الأجنبية وضمان حقوق الدولة السورية، بما يضمن الاستفادة القصوى من مواردها النفطية والغازية بطريقة مستدامة وقانونية”.

وأشار المحامي الدولي، إلى أنّ القانون السوري يتيح مطالبة الشركات الأجنبية السابقة بتعويضات عن الأضرار الناتجة عن توقف الإنتاج أو الانسحاب، بما يشمل الخسائر المالية، وفقدان الفرص الاستثمارية، والمعدات المهدرة، فضلاً عن الأضرار البيئية التي نتجت عن أعمال الحفر غير المنسقة، وأضاف: “يمكن للجنة المشتركة دراسة كل حالة على حدة، مع إمكانية إعادة التفاوض أو تطبيق التعويضات بما يضمن حماية مصالح الدولة واستدامة مواردها النفطية والغازية”.

واختتم الشهاب قائلاً: “نجاح اللجنة في إعادة ترتيب العقود سيشكل نموذجاً لإدارة الموارد الوطنية بطريقة شفافة وقانونية، ويزيد من ثقة المستثمرين الجدد، خصوصاً الشركات الكبرى التي تتطلب بيئة استثمارية مستقرة وواضحة من الناحية القانونية قبل الدخول إلى السوق السورية”.

[ جديد الخبير ]