سلّة دمشق الغذائية ورئتها الإستراتيجية تنتظر الإنعاش..معاودة استنهاض التنمية في الغوطة الشرقية مهمة حكومية خاصة

الخبير السوري – علي حسون

يصر أهل الغوطة تتويج فرحة التحرير على إعادة الروح إلى مناطقهم بعد خراب كبير من النظام الجائر والإجراءات الخانقة وقصف المحاصيل في مواسم الحصاد.
أهالي الغوطة يحدوهم الأمل من خلال تمسكهم وإصرارهم على إعادة الروح لأراضيهم ومعاملهم، لاسيما أن الغوطة الشرقية كانت على مر السنين رئة دمشق الاقتصادية، إذ تمتد على مساحات واسعة من الأراضي الخصبة التي روتها مياه نهر بردى وفروعه المتعددة.
هذه المنطقة تعد جزءاً لا يتجزأ من النسيج الجغرافي والاجتماعي للعاصمة، تجمع بين الطابع الريفي الزراعي والامتداد الحضري المتنامي. فقد احتضنت هذه البقعة الجغرافية عشرات البلدات والقرى التي ساهمت في تشكيل الهوية الثقافية والاقتصادية لسوار دمشق.
دوما واسطة عقد الغوطة
من مدينة دوما – والتي تعتبر واسطة عقد الغوطة الجميل وأكبر هذه التجمعات السكانية وأكثرها كثافة- يؤكد مزارعون أن الغوطة الشرقية ستبقى السلة الغذائية التي أمدت العاصمة بالمحاصيل الزراعية المتنوعة عبر قرون طويلة من الزمن، مشيرين إلى التربة الخصبة التي تمتاز بها أراضي الغوطة الشرقية وخاصة أنها تتغذى من شبكة الأنهار والقنوات المائية المتفرعة من نهر بردى، وأتاحت هذه الموارد المائية الوفيرة للمزارعين زراعة مجموعة واسعة من المحاصيل الزراعية والتنوع بالإنتاج الغزير من أشجار المشمش والكرز والتفاح والعنب، بالإضافة إلى مختلف أنواع الخضروات الموسمية.

خطة نهوض متكاملة

ومع مرور عام على التحرير يطالب المزارعون بضرورة التفات المعنيين في الحكومة إلى الغوطة وإعداد خطة متكاملة للنهوض بقطاعي الزراعة والصناعة لاسيما أن مناطق الغوطة تشتهر بالصناعة الغذائية التي كانت تزود أسواق سورية وخاصة العاصمة دمشق بأطنان من الكونسروة والعصائر وقمر الدين، إضافة إلى صناعة الخشب “الموبيليا”.

مطالب

هذه المناشدات والمطالب جاءت على لسان مزراعين وصناعيين من دوما وعربين وسقبا، إذ تحدثوا لـ”الخبير السوري” بصوت مبحوح بعد أن واجهت الغوطة الشرقية تحديات وظروفاً السنوات على مدار السنوات الماضية، أثرت بشكل كبير على بنيتها التحتية ونسيجها الاجتماعي والاقتصادي. لقد تعرضت المنطقة لدمار واسع طال المباني السكنية والمرافق العامة والبنية التحتية، مما أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية ونزوح أعداد كبيرة من السكان إلى مناطق أخرى، مشددين على أن الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي كانت فادحة، حيث تضررت البساتين وشبكات الري وتوقف الإنتاج الزراعي في كثير من المناطق.

العمود الفقري

ومن هنا يشير خبراء اقتصاديون إلى أن الغوطة الشرقية تشكل العمود الفقري لاقتصاد ريف دمشق من خلال إنتاجها الزراعي الوفير، إذ كانت تزود أسواق دمشق يومياً بآلاف الأطنان من الخضروات والفواكه الطازجة، مما جعلها مصدراً غذائياً لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للعاصمة وسكانها، موضحين أن آلاف الأسر اعتمدت على الزراعة كمصدر دخل رئيس، سواء من خلال امتلاك الأراضي أو العمل الزراعي المأجور.
مدير غرفة تجارة دمشق الدكتور عامر خربوطلي اعتبر أنه لطالما كانت غوطة دمشق سواء الشرقية أو الغربية متنفساً ورئة دمشق من الناحية الزراعية سواء المنتجات النباتية والحيوانية كونها المغذي الأول للعاصمة في مراحل قديمة ، منوهاً إلى أن كلمة دمشق كانت تتلازم مع غوطتها وارتبط الاسمان مع بعضهما البعض، لافتاً إلى أنه بعد أربعة عشر عام من الحصار والتهجير والقصف والأعمال الممنهجة أدت لتخريب كبير في هذه الرئة التي كانت خضراء حتى أصبحت للأسف مساحات غير قابلة للزراعة وهي بحاجة إلى عمل وجهد كبيرين.
ولم يغفل “خربوطلي” بأن الغوطة لم تكن زراعية فقط بل كانت حرفية بامتياز كالصناعات الخشبية “الموبيليا” تحديداً وصناعات الغذائية كصناعة قمر الدين والمربيات والكونسروة والكثير من المنتجات الحيوانية من الأجبان والألبان.

رؤية جديدة

ووصف “خربوطلي” الغوطة بالسوار الذي يلف المعصم ونحن اليوم للأسف افتقدنا هذا السوار وأدى إلى تراجع كبير من نواحي عديدة ، مؤكداً على الأهمية الاقتصادية والاجتماعية والترابط العائلي والاجتماعي والاقتصادي بين تجار و وصناعي دمشق وحرفي وما يماثلهم من أهالي سكان الغوطة الشرقية.


واعتبر “خربوطلي” أن النهوض بالاقتصاد السوري الجديد يتطلب بالدرجة الأولى أن تعود الغوطة ما أمكن إلى سابق عهدها بتنظيم جديد وبرؤية جديدة مختلفة وبتحديد للاماكن التجارية والصناعية كي لا تلتهم المستودعات ما تبقى من الغوطة، لاسيما أن الغوطة كانت محجة السيران الدمشقي في الربيع وستبقى الغوطة رئة دمشق الخضراء والاقتصادية.

فريق عمل

الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد دعاس أكد أن الغوطة كانت الرافد الرئيس لدمشق بالخضار الفواكه والحليب ومشتقاته ومعامل كثيرة للموبيليا والصناعات الخفيفة والمتوسطة ،كذلك الدجاج والبيض والاهم أنها كانت العامل الأساسي في تنقية البيئة بسبب الأشجار والخضار، داعياً إلى أهمية تشكيل فريق عمل من خبراء زراعة وتمويل ومشاركة وإشراف وزارة الزراعة من أجل البحث وتقديم المقترحات المناسبة كإمكانية تقديم مستلزمات الإنتاج الزراعي بالتقسيط للفلاح عبر قنوات يتم اعتمادها من خلال لقاء الفلاحين ومعرفة مايحتاجونه وسبل المساعدة لتامين ذلك ليس مجانا إنما بتقسيط مريح مع المساهمة بتأمين آليات الفلاحة وشبكات الري الحديث بالتقسيط.


ووضع “دعاس” عدة عناصر رئيسة للنهوض بالغوطة من خلال وجود بيئة مشجعة وأسعار تنافسية ومنح القروض والأهم من ذلك أن تقوم وزارة الزراعة بدور خارج عن التقليدي كون كل العوامل والظروف تغيرت.

نظام زراعي متعدد

والجدير بالذكر أن سلة دمشق الغذائية من الغوطة كانت من خلال ضخ إنتاج مساحات آلاف الهكتارات من الأراضي المشهودة بخصوبتها، ومئات آلاف رؤوس الماشية، إضافة إلى اعتماد نظام الري التقليدي في الغوطة الشرقية والذي يعد أنموذجاً هندسياً متقدماً ورثته الأجيال المتعاقبة وطورته عبر القرون من خلال توزيع المياه بطريقة عادلة ومنظمة بين المزارعين تديرها القنوات والسواقي التي تُعرف محلياً بـ”المساقي”. وكذلك، فإن البساتين الغوطاوية التقليدية تتميز بنظام زراعي متعدد الطبقات يجمع بين الأشجار المثمرة والمحاصيل الحقلية والخضروات، مما يعكس الحكمة الزراعية المتوارثة لدى سكان المنطقة.
ويشار إلى أن الغوطة الشرقية تتمتع المنطقة بمناخ متوسطي معتدل يميل إلى الجفاف في فصل الصيف، حيث تتراوح درجات الحرارة بين معتدلة شتاءً وحارة صيفاً. بينما تهطل الأمطار في فصلي الخريف والشتاء، مما يساهم في تجديد المخزون المائي الجوفي وتغذية الينابيع والأنهار الموسمية. فقد أدى هذا المناخ المواتي إلى نمو غطاء نباتي كثيف في أجزاء واسعة من الغوطة، حيث كانت البساتين الخضراء تمتد على مساحات شاسعة تشكل حزاماً أخضر حول العاصمة.

[ جديد الخبير ]