شرارة على الحدود… أم إعادة تشكيل لمسرح جنوب آسيا ؟

الخبير السوري ـ وديع فايز الشماس:

في فجر 27 فبراير 2026، كانت الانفجارات التي هزّت كابول أكثر من مجرد ردّ عسكري على غارة باكستانية. كانت إعلانًا بأن التوتر المزمن بين الجارتين دخل مرحلة جديدة، مرحلة تتجاوز تبادل الضربات إلى اختبار الإرادة السياسية في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ عقود. تصريح وزير الدفاع الباكستاني بأن “الحرب مفتوحة” لم يكن انفعالًا عابرًا، بل تعبيرًا عن شعور متراكم بأن قواعد اللعبة القديمة لم تعد صالحة.

* جذور الأزمة: حدود استعمارية ودولة بلا مركز

خط ديورند، الذي رسمته بريطانيا عام 1893، ظل لعقود خطًا رمزيًا أكثر منه حدودًا فعلية. لكن مع عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، تحوّل الخط إلى نزاع سيادي مكتمل الأركان. طالبان، التي لم تعترف يومًا بشرعيته، تتعامل معه كإرث استعماري، بينما تصرّ باكستان على أنه حدّ دولي ثابت. هذا الخلاف البنيوي يجعل كل حادث حدودي قابلًا للانفجار، خصوصًا في ظل غياب مؤسسات دولة مستقرة في أفغانستان وتراجع قدرة باكستان على ضبط الأطراف المسلحة داخل أراضيها.

لكن العقدة الأعمق تكمن في “الطالبان الأخرى”: حركة طالبان باكستان (TTP). فبينما دعمت إسلام آباد طالبان الأفغانية لعقود، ظلّت TTP العدو الداخلي الأخطر. ومع سيطرة طالبان على كابول، وجدت الحركة الباكستانية المتشددة ملاذًا آمنًا، ما جعل الحدود تتحول من خط فصل إلى خط تغذية للعنف.

* التصعيد الأخير: من الغارة إلى الضربة المضادة

الغارات الباكستانية في 23 فبراير، التي قالت إسلام آباد إنها استهدفت معسكرات لـTTP، كانت الشرارة الأولى. لكن سقوط مدنيين، وفق الأمم المتحدة، منح طالبان مبررًا للرد. وفي 26 فبراير، هاجمت قوات أفغانية مواقع باكستانية عبر ست ولايات حدودية، ما دفع باكستان إلى تنفيذ ضربات واسعة فجر 27 فبراير، طالت كابول وقندهار وبكتيا وننكرهار.
النتيجة كانت حرب أرقام متضاربة: كل طرف يعلن انتصارات كبيرة، بينما تعترف البيانات الرسمية بخسائر محدودة. في مثل هذه النزاعات، السردية جزء من المعركة.

* لماذا الآن؟ تشابك الأمن بالسياسة والجغرافيا

التصعيد الحالي ليس وليد لحظة، بل نتيجة ثلاثة مسارات متداخلة:

– أمنيًا: باكستان تواجه موجة عنف غير مسبوقة منذ عقد، مع أكثر من 400 قتيل في هجمات TTP خلال عام واحد. الضغط على كابول أصبح ضرورة سياسية داخلية.
– سياسيًا: طالبان تريد إثبات أنها سلطة ذات سيادة، لا تابعًا لباكستان كما كان يُنظر إليها تاريخيًا. فشل الوساطات السابقة جعل الحركة أكثر حساسية لأي إملاء خارجي.
– استراتيجيًا: دخول الهند على الخط غيّر الحسابات. تعميق نيودلهي علاقاتها مع كابول، واستضافة وزير خارجية طالبان، أثارا مخاوف باكستان من “تطويق استراتيجي”. اتهام وزير الدفاع الباكستاني لطالبان بأنها “تسلّم أفغانستان للهند” يعكس هذا القلق.

هذه العوامل تجعل التصعيد الحالي أكثر من مجرد ردّ فعل؛ إنه إعادة تموضع في خريطة إقليمية تتغير بسرعة.

* شبكة التحالفات: صراع محلي بظلّ دولي

باكستان، المثقلة بأزمة اقتصادية، تعتمد على الصين كحليف استراتيجي وعلى تركيا والسعودية وقطر كداعم دبلوماسي. الصين دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، إدراكًا منها أن أي اضطراب في باكستان يهدد مشاريع “الحزام والطريق”.

أما طالبان، فتعتمد على شبكة ضيقة من العلاقات، أبرزها قطر وتركيا، بينما تعرض روسيا الوساطة باعتبارها الدولة الوحيدة التي اعترفت رسميًا بحكومتها. إيران، التي تخشى اضطراب حدودها الشرقية، أعلنت استعدادها للتوسط أيضًا.

بهذا المعنى، الصراع محلي في جغرافيته، لكنه دولي في حساباته.

* ارتدادات الشرق الأوسط: أمن حدودي، تجارة، وطاقة

رغم البعد الجغرافي، فإن الشرق الأوسط يتأثر بالنزاع عبر ثلاث قنوات رئيسية:

– إيران تخشى أن يؤدي الانفجار الحدودي إلى تنشيط الجماعات المتشددة في سيستان–بلوشستان، لكنها ترى في التوتر فرصة لتعزيز دورها كوسيط إقليمي.
– دول الخليج تنظر إلى الأزمة من زاوية اقتصادية–أمنية: أي اضطراب في جنوب آسيا يهدد ممرات التجارة مع آسيا، ويضعف قدرة باكستان—القوة النووية—على أداء أدوارها التقليدية في التوازنات الإقليمية.
– أسواق الطاقة تراقب بقلق؛ فالتوتر في محيط الممرات التجارية بين الخليج وآسيا يضيف طبقة جديدة من المخاطر الجيوسياسية التي تنعكس على أسعار النفط والغاز.

ما يحدث على الحدود الباكستانية–الأفغانية لا يبقى هناك؛ صداه يصل إلى مضيق هرمز كما يصل إلى موانئ كراتشي.

* إلى أين يتجه المشهد؟

السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس حربًا شاملة، بل تصعيد منخفض الوتيرة: ضربات محدودة، عمليات عبر الحدود، وحرب سرديات. باكستان لا تملك رفاهية فتح جبهة برية واسعة في ظل التهديد الهندي، وطالبان تفتقر إلى سلاح جو قادر على تغيير المعادلة. لكن الخطر الحقيقي يكمن في سوء التقدير: حادث صغير، أو ضربة خاطئة، قد يشعل مواجهة لا يريدها أحد.

في منطقة تتقاطع فيها مصالح الصين والولايات المتحدة وروسيا وإيران والخليج، يصبح النزاع الباكستاني–الأفغاني اختبارًا لقدرة القوى الإقليمية على احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى حرائق عابرة للحدود.

[ جديد الخبير ]