ناظم عيد / المدن اللبنانية إن كانت هيئة مكافحة الكسب غير المشروع، تمضي بدأب مكثف في تحصيل واسترداد أموال مشبوهة من رجال أعمال استثمروا في الامتياز على سنوات وعقود في ظل “حضانة” النظام البائد. فإن الملف الأصعب الذي يترقبه كثير من السوريين ـ ولو بصمت ـ يتعلق بمروحة واسعة الطيف تخص أموال منهوبة تندرج ضمن قائمة ” الكسب غير مشروع” لكنها خارج البلاد في أصقاعٍ متفرقة من هذا العالم، فماذا عن ملف الأموال المنهوبة ؟
* هاجس بحجم أزمة
بالفعل لعله عنوان بالغ التشويق لكل سوري “استرداد الأموال المنهوبة”، لا سيما في زمن التحديات الكبرى واستحقاقات الإنفاق التي تندرج في سياق ورشة إعادة الإعمار، والتي قدّر البنك الدولي تكلفتها بحوالي 216 مليار دولار في أحدث أرقام رشحت عن هذه المؤسسة الدولية. فيما خرجت أرقام أخرى انطوت على متوالية تصاعدية وتم تداول تقديرات التكلفة مابين 600 و 900 مليار دولار بشكل غير رسمي، بناء على توالي اكتشاف تفاصيل محورية تتعلق بحجم الانهيار العام في سوريا .. وإلحاح إعمار كل ماهُدّم وتهدّم، وبالتأكيد يشمل ذلك كل الملامح في هذه البلاد الخارجة للتو إلى فضاء جديد.
من هنا يجزم خبراء بحتمية البحث عن سبل استرجاع كل دولار وكل ليرة سورية منهوبة. وتشكل هذه الأموال ضرورة بالغة الخصوصية لجهة أهمية إعادتها، ثم لجهة كتلتها الهائلة التي يمكن أن تلبي حيزاً من الاستحقاق الكبير الراهن والقادم.
* سرقات بحجم موازنات دول
الواقع أن لا رقم دقيق بخصوص حجم الأموال السورية المنهوبة، ولكن التقديرات دوماً في خانة مليارات الدولارات. إذ تشير تقارير جهات دولية (مثل الخارجية الأمريكية) إلى أن ثروة آل الأسد قد تتجاوز 12 مليار دولار. بينما تشير تقديرات وتقارير أخرى إلى أن هذه الشبكة المالية المعقدة ” كامل منظومة الأسد ” قد تصل قيمتها إلى 122 مليار دولار “وهو ما يعادل أكثر من عشرة أضعاف حجم الاقتصاد السوري” وتشمل الأصول المجمدة في الخارج في سويسرا، وشركات وهمية، وأصولاً عقارية في دول مختلفة .. وثمة إشارات واضحة إلى أموال ناتجة عن تجارة الكبتاجون. بالطبع معظم ماسبق يتعلق بأموال آل الأسد.. لكن إن تحدثنا عن منظومة مزمنة في السلطة ستشمل الدائرة أسماء كثيرة تندرج ضمن إطار “فساد السلطة”.. وكتلة الأموال كبيرة أيضاً كلها مودعة في حسابات لدى بنوك خارجية من لبنان إلى دول الخليج إلى تركيا ثم أوروبا، إضافة إلى أصول منتشرة في كل أصقاع العالم.
* أدوات استرداد متاحة
الآن ينصب التفكير والتركيز على سبل إعادة هذه الأموال التي هي حق لسوريا والسوريين، ويرى خبراء أنه على الحكومة السورية وضع ترتيبات إجرائية معلنة والسعي عبرها بكل السبل السيادية لاسترداد هذه الأموال. وعلى الأرجح يدرك مسؤولو الحكومة كافة السبل القانونية المتاحة لاعتمادها كخيار دولة في هذه المهمة الشاقة.. فهناك اتفاقية دولية لمكافحة الفساد موقعة منذ عام 2005 يمكن أن تكون وعاء قانوني لتعاطي سوريا مع الدول المضيفة للأموال المنهوبة نقداً أو أصولاً.
و بالعموم ثمة إطار عام قانوني دولي لاستعادة الأموال السورية المنهوبة، متضمن في معايير منظمة الشفافية الدولية.. فهناك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد UNCAC “، سوريا لم توقع عليها”،.. ثم اتفاقية مكافحة الرشوة التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD “أيضاً سورية ليست عضواً”. إضافة إلى اتفاقية المساعدة القانونية المتبادلة MLATs “أيضاً سوريا ليست عضواً”.. وهناك اتفاقية مكافحة الفساد العربية “سوريا طرف فيها بحكم عضويتها في الجامعة العربية”.. فقد يكون بالغ الأهمية انضمام سوريا إلى الاتفاقيات الخاصة باستعادة الأموال المنهوبة، من أجل التحرك بموجبها للمطالبة بحقوق شعبها بشكل قانوني، يعزز موقفها في إجراءات التقاضي ـ وربما المنازعات ـ التي قد تحصل بسبب تحفظ دول على مالديها من أموال مسروقة عائدة لسوريين، وهذا وارد خصوصاً مع الدول التي ستتمترس خلف مزاعم السرية المصرفية، وإجراءات ضمان وحماية الأصول الأجنبية. لكن بكل الأحوال..نتحدث هنا عن خارطة الطريق التي يجب أن تسلكها الحكومة السورية.
* خيارات
وفقاً لمقتضيات القوانين الدولية .. بإمكان سوريا طلب المساعدة لمتابعة هذه الأصول، ومن الأفضل للسلطة السورية أن تتواصل مباشرة مع سلطات الدول التي يُعتقد أن الأصول موجودة فيها، وأن تطلب منها المساعدة. وفي حال صادقت سوريا على اتفاقية “UNCAC”، سيصبح الأمر أسهل، لأن استرداد الأصول يقوم بدرجة كبيرة على التعاون. وكلما انخرطت سوريا في آليات تعاون أكثر، ازدادت فرص الحصول على شركاء رسميين وسهُل الأمر.
ووفقاً للقوانين الدولية.. يمكن لسوريا تتبع الأموال واستعادتها الاستعانة بلجان وفرق قانونية ومالية متخصصة قادرة على كشف ومعرفة الشركات الوهمية والحسابات السرية، وتتبع التحويلات البنكية لعائلة الأسد، كما يمكن للحكومة السورية توقيع اتفاقيات تعاون مع بعض الدول التي يُتوقع أن تكون ملاذاً لإخفاء أموال منهوبة بأسماء مستعارة أو وكلاء.
* ملف شائك ومعقّد
الموضوع شائك بكل المقاييس فعلاً، لكن رغم ذلك لابد من التحرك باتجاه مقاربات جادة وحثيثة وبشكل ممنهج ومدروس.. هنا يجد الخبير الاقتصادي د. فادي عيّاش أن موضوع موقع وحجم أصول نظام الأسد البائد ولا سيما الخاصة منها (عائلة الأسد وشركائهم) مسألة بالغة التعقيد. ويشير في حديث إلى ” المدن ” إلى أن بعض المصادر أكدت أن صافي أموال عائلة الرئيس المخلوع في الخارج يقدر بحدود مليار إلى ملياري دولار، وهو جزء من شبكة معقدة تتنوع بين الأصول المادية، والمجوهرات، والأصول الاستثمارية، والمركبات الفارهة. ويجب التفريق في عمليات التتبع والاسترداد بين أموال النخب الحاكمة (أصول خاصة)، فهي تبقى خاصة ما لم يثبت أنها نتاج فساد، عبر إجراءات قضائية محددة. والأصول السيادية التي تُنسب مباشرة إلى الدولة نفسها، مثل الحسابات الحكومية أو الحصص التي تملكها الدولة في الخارج. ويرى عياش أن طرق تتبع واسترداد هذه الأصول تختلف وتتباين. إذ تمثّل أصول الأشخاص من النخب الحاكمة تحدياً كبيراً أمام المنظمات والدول التي تحاول تعقبها أو تجميدها بسبب الطرق الملتوية في إخفاء هذه الأصول. ولذلك قد يكون من الأنسب تفويض الحكومة السورية لبعض المنظمات المختصة في تعقب واسترداد الأصول، كما جرى في العراق وليبيا كمثال. والمرجح أن الجزء الأكبر من أصول عائلة الأسد الهارب كان موزعاً في حسابات شخصية مختلفة ضمن شبكة من الشركاء والمقربين.
فكفكة التجميد أسهل
لكن من حيث المبدأ، يعتبر الخبير الاقتصادي أن عملية فك تجميد واسترداد الأصول الحكومية، أسهل بكثير من فك تجميد واسترداد الأموال الخاصة، إذ تكون عادة قرارًا سياسياً أو إجراء قضائياً بسيطاً، بخلاف الأصول الخاصة بالأفراد أو الشركات، التي تحتاج إلى إجراءات قضائية طويلة ومعقدة، لإثبات أن هذه الأصول هي من نتاج الفساد.