أوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب الدكتور عبد الحميد الصباغ أن خطر الاستبدال السريع للعملة الجديد يمكن أن يؤدي إلى زيادة سرعة التداول، وذلك لسببين الأول العامل (النفسي) إذ قد يشعر حاملو العملة الجديدة أنهم “أكثر ثراءً” بمجرد حمل أوراق من فئة 100 ليرة جديدة بدلاً من 100,00 ليرة قديمة، مما قد يحفزهم على الإنفاق بشكل أسرع، والثاني التخلص من “العملة القديمة”، حيث قد يسارع التجار والأفراد إلى التخلص من العملة القديمة واستبدالها، ومن ثم إنفاقها خوفاً من أي تراجع في قيمتها أو من أي عوائق مستقبلية في الاستبدال.
مسؤولية “المركزي“
وأضاف: لذلك يجب على المصرف المركزي منع ذلك، عن طريق تفعيل أدوات السياسة النقدية والأداة الرئيسية هي سعر الفائدة، كما أنه على المصرف المركزي أن يرفع تكلفة الاقتراض بشكل حاد ومسبق لامتصاص أي سيولة زائدة قد تنتج عن تسريع دوران النقد وهذا يجعل الادخار أكثر جاذبية من الإنفاق ( بالطبع ذلك للقروض غير الإنتاجية)
وأكد صباغ ضرورة الربط الوثيق بالكتلة النقدية، إذ يجب تأكيد أن العملة الجديدة ليست “مالاً جديداً”، بل هي مجرد قالب جديد الكتلة النقدية نفسها، إذ على الحاكم والمصرف المركزي تكثيف الحملات الإعلامية لشرح أن القوة الشرائية الإجمالية لم تتغير، وأن مجرد تغيير شكل الورقة النقدية لا يخلق ثروة جديدة. هذا ضروري لكسر “وهم المال”.
اكتناز سلبي
وحذر أستاذ الاقتصاد من خطر “اكتناز عطيل” للكتلة النقدية خارج القنوات المصرفية موضحاً أن المشكلة هنا هي الاقتصاد الموازي والمستحوذ على الـ 75 بالمئة المتبقية من الكتلة (نحو 31.5 تريليون ليرة) هي بالفعل خارج النظام المصرفي في الأغلب والمصرف المركزي لا يعرف مكانها تحديداً وهذا يشكل تحدياً كبيراً.
إلزام
ويرى صباغ أنه يجب على المصرف المركزي التعقيم عبر الجذب بدلاً من محاولة “التأكد”، ويجب على المصرف المركزي أن يجعل من المستحيل تقريباً إنفاق هذه الأموال إذا لم تُستبدل. أي إن العملة القديمة ستفقد قوتها القانونية بعد انتهاء المهلة وهذا يُجبر حامليها على الخروج من الظل، إما لاستبدالها (وهو ما سيكشف حجمها التقريبي) أو لخسارة قيمتها.
أداة قسرية
اما مهلة ٩٠ يوماً فاعتبر صباغ أنه يمكن النظر إلى هذه المهلة القصيرة على أنها أداة قسرية لإجبار جزء من الاقتصاد غير الرسمي على التفاعل مع النظام المصرفي، ولو مرة واحدة، مما قد يمهد لمرحلة لاحقة من الشمول المالي.
غير كافية
وقال: بالتأكيد، مهلة 90 يوماً هي مهلة قصيرة جداً وغير كافية على الأرجح لبلد بحجم سوريا وبهذا الحجم من التحديات (42 تريليون ليرة) بالمقارنة مع تجارب الدول الأخرى التي تشير إلى أن مثل هذه العمليات تستغرق أشهراً أطول ولذلك يمكن أن يكون لها مخاطر في حال عدم كفاية هذه الفترة، و من الممكن حصول ارتباك الأسواق، حيث سينشأ سوق موازٍ للعملة القديمة بخصم كبير، حيث سيضطر من لا يستطيع الوصول إلى المصارف لبيع عملته القديمة بتكلفة أقل.
وأضاف: لذلك نقول من المؤكد أن يتم تمديد المهلة، لكن التمديد نفسه مربك لأنه يخلق حالة من عدم اليقين ويثبط عزيمة من سارع للاستبدال.
تبسيط
من الناحية الاقتصادية، يرى أستاذ الاقتصاد أن ما وصفه حاكم المصرف المركزي هو عملية “إعادة تقويم نقدي”، وهي عملية فنية بحتة تهدف إلى تبسيط النظام النقدي، وأن الهدف المعلن هو تسهيل المعاملات اليومية والتخلص من عبء الأصفار الثقيلة على النظام المحاسبي والنفسية العامة فهي عملية فنية ومحاسبية، وليست سياسة نقدية توسعية أو انكماشية، وإن استبدالاً كاملاً للأوراق النقدية القديمة بأخرى جديدة في فترة زمنية محددة (90 يوماً) سيكون له آثار اقتصادية إذا تم بهذه السرعة، من نمو السوق الموازي، وخسارة صغار المدخرين لجزء من مدخراتهم ( طبعا نتحدث بهذه الآثار إذا لم يكن هناك وعي عام من المواطنين لعملية الاستبدال).
تباطؤ
ولفت إلى أنه يمكن حصول تقلص مؤقت بالعرض النقدي، وقد يحدث تباطؤ مؤقت في النشاط الاقتصادي خلال فترة الاستبدال، حيث يتردد الناس في الإنفاق وهم يحاولون استبدال أموالهم. مضيفا: وبالطبع سيكون هناك إحداث ضربة قوية للاقتصاد غير الرسمي وستكون هذه العملية بمنزلة زلزال للاقتصاد الموازي، حيث إن الأموال النقدية خارج المصارف ستفقد قيمتها إذا لم تُستبدل، مما قد يُجبر جزءاً منها على الانكشاف، ولكن إذا شعر الناس بالارتباك أو الخسارة فستتراجع الثقة بالمصارف، مما يعوق أي جهود مستقبلية للشمول المالي أو الادخار المصرفي.
وختم صباغ بالقول: ما وصفه الحاكم هو إجراء فني سليم من الناحية النظرية، لكن تطبيقه بهذه السرعة وفي هذا الظرف الاستثنائي الذي تمر به البلاد يحوّله من عملية فنية إلى صدمة اقتصادية-اجتماعية اذا لم يتم التعامل معه بدقة، وضمن حملة توعوية شاملة، والنجاح لن يقاس فقط باستبدال الكتلة النقدية، بل بمدى حماية المدخرات الشعبية واستقرار الأسواق.