الخبير السوري ـ سمر سامي السمارة:
يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً سريعاً في جميع قطاعات الحياة المعاصرة، بدءاً من الأمن القومي والتنافسية الاقتصادية، وصولاً إلى الرعاية الصحية والتعليم والصناعات الإبداعية. فبعد أن كان مجالاً نظرياً محصوراً في الأبحاث الأكاديمية، أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم جزءاً لا يتجزأ من الأدوات التي نستخدمها يومياً، ويدعم التقنيات التي تُشكّل طريقة عملنا وتواصلنا.
مع تنامي قدراته تتزايد المخاطر، إذ يحمل الذكاء الاصطناعي أملاً بكفاءة وابتكار غير مسبوقين، ولكنه يطرح في الوقت نفسه تحديات جسيمة، بدءاً من التحيز الخوارزمي وفقدان الوظائف، وصولاً إلى التضليل والمراقبة والمخاوف المتعلقة بالأمن القومي، ومع ذلك يبدو أن إمكانية إيقافه أصبحت غير ممكنة، لكن هل يمكن توجيهه والسيطرة عليه؟
مع اجتماع قادة العالم وخبراء التكنولوجيا مؤخراً في نيودلهي لحضور القمة العالمية السنوية لتأثير الذكاء الاصطناعي في الهند، لابد من الإشارة إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة، فلم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان سيعيد تشكيل الاقتصادات وأسواق العمل والقوة الوطنية، فهذا ما يحدث بالفعل، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يدور حول إمكانية توجيه الحكومات مسار هذا التحول، أم أن قدرات الذكاء الاصطناعي ستتجاوز الحوكمة تماماً.
بالنسبة للولايات المتحدة والهند، اللتين تُسرّعان وتيرة التعاون في هذا المجال يبدو هذا الأمر بالغ الأهمية، إذ لا يمكن إيقاف تطور الذكاء الاصطناعي لأن الحوافز الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية أقوى من أن تُوقفه، مع ذلك يرى مراقبون إمكانية توجيه مساره إذا تحركت الدول قبل أن تتجاوز الأنظمة ذاتية التشغيل قدرة هذه الدول على إدارتها.
سرعة تطور الذكاء الاصطناعي
في الواقع، أصبحت الأدلة التجريبية على التقدم السريع للذكاء الاصطناعي راسخة، إذ يوثق مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن معهد “ستانفورد للذكاء الاصطناعي” المتمركز حول الإنسان عدة نقاط تحول، حيث بلغت قيمة الاستثمار الخاص العالمي في الذكاء الاصطناعي مستويات قياسية، متجاوزة 100 مليار دولار أمريكي في الولايات المتحدة، كما تسارعت مكاسب الأداء في مجالات الاستدلال والبرمجة ومعايير الوسائط المتعددة، مع ارتفاع عدد حوادث الذكاء الاصطناعي الموثقة بنسبة 56% على أساس سنوي.
علاوة على ذلك، لم تعد أنظمة الذكاء الاصطناعي مقتصرة على إنتاج النصوص أو الصور، بل يمكنها التخطيط لإجراءات متعددة الخطوات، واستخدام أدوات خارجية، وكتابة وتنفيذ التعليمات البرمجية، والتنسيق مع أنظمة أخرى. ما جعل الباحثون وقادة الصناعة يصفون عام 2025 بأنه عام خروج الذكاء الاصطناعي الفاعل من المختبر، وعام 2026 بأنه عام انتشاره على نطاق أوسع.
تطور قدرات الذكاء الاصطناعي
غالباً ما تُصنّف النقاشات السياسية مراحل الذكاء الاصطناعي المختلفة ضمن فئة واحدة تُسمى “الذكاء الاصطناعي” إلا أن هذا التصنيف غالباً ما يُخفي القدرات والمخاطر، حيث تُفرّق المراجع الأكاديمية بين الذكاء الاصطناعي المحدود، وهو أنظمة مُصممة لمهام مُحددة، والذكاء الاصطناعي العام، وهو أنظمة قادرة على نقل المعرفة وحل المشكلات المُستجدة في مختلف المجالات، والذكاء الفائق، حيث تتجاوز قدرات الآلة الأداء البشري في المهام المعرفية.
وفقاً لذلك، لابد من فهم الذكاء الاصطناعي العام من منظور عملي ومتعلق بالسياسة، حيث يشير الذكاء الاصطناعي العام هنا إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تسمح لها قدراتها العامة في الاستدلال والذاكرة والتخطيط بالعمل بكفاءة تُضاهي أو تفوق كفاءة المُختصين البشريين في مجالات مُتعددة، مع تأثير اقتصادي وأمني وثقافي كبير، وذلك دون توجيه بشري مُستمر.
علاوة على ذلك، ضمن هذا التصنيف الأوسع، حدد الباحثون تحولاً واضحاً وهاماً من الناحية العملية نحو الذكاء الاصطناعي الفاعل، حيث تتميز أنظمة الذكاء الاصطناعي الفاعل بقدرتها على تحديد أهداف فرعية، والتخطيط، واختيار الأدوات، وتنفيذ إجراءات متعددة المراحل على مدار فترة زمنية مع إشراف بشري محدود، بدلاً من مجرد إنتاج مخرجات استجابةً للمطالبات.
في الفترة ما بين عامي 2025 و2026، تجاوزت العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة مرحلة تنفيذ المهام المحدودة، ودخلت هذه المرحلة الفاعلة، على الرغم من أنها لا تزال بعيدة عن مستوى الذكاء الاصطناعي العام الكامل.
في أفق التخطيط السياسي
في الواقع، لا يوجد إجماع حول موعد ظهور الذكاء الاصطناعي العام، لكن الخبراء يضعونه ضمن أطر زمنية ذات صلة بقرارات السياسة الحالية، وتتراوح تقديرات منصة التنبؤ “ميتاكولوس” لظهور نسخة ضعيفة أو وليدة من الذكاء الاصطناعي العام حالياً في أواخر العقد الحالي إلى أوائل العقد القادم.
وللإشارة، أكد قادة مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى هذه المقترحات، حيث صرح سام ألتمان- الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن أيه آي” بأن الذكاء الاصطناعي العام سيظهر على الأرجح خلال ولاية الرئيس ترامب الحالية، مشيراً إلى أن الرأي العام يقلل من أهميته وأن الإنجازات قد تحدث أسرع مما يتوقع الكثيرون.
وبحسب الرئيس التنفيذي لشركة “ديب مايند” ديميس هاسابيس، فإن الذكاء الاصطناعي العام قد يظهر في غضون خمس إلى عشر سنوات، وتشير توقعات أخرى إلى جداول زمنية حول عام 2030.
لكن الأهم من ذلك، أن الحاجة إلى حوكمة مبكرة لا تعتمد على ظهور الذكاء الاصطناعي العام في أي جدول زمني محدد، فحتى لو ظهر الذكاء الاصطناعي العام بعد الوقت المتوقع، فإن التحول الحالي نحو الأنظمة الذكية وحده كافٍ لتبرير اتخاذ إجراءات، نظراً لتأثيراته على العمل والأمن والحوكمة.
من القوة البدنية إلى العقل
لا يكمن الخطر الأكبر الذي يُشكّله الذكاء الاصطناعي المتقدم في الذكاء الخارق، بل في اضطراب سوق العمل على نطاق واسع، فبحسب عراب الذكاء الاصطناعي جيفري هينتون، فإن الثورة الصناعية جعلت القوة البدنية البشرية غير ذات أهمية إلى حد كبير بالإنتاج الاقتصادي، وهو ما يمكن حدوثه للذكاء البشري، فمع تزايد قدرة الآلات على مجاراة أو حتى تفوق البشر في التفكير والتحليل والتنسيق الروتيني، تُصبح قطاعات واسعة من العمل المعرفي مُعرّضة لخطر التجاوز الاقتصادي.
وقد بدأ الاقتصاديون بالفعل في تقدير حجم هذا الخطر، إذ يشير تحليل أجرته مؤسسة “غولدمان ساكس” التي تُعنى بالخدمات المالية والاستثمارية، إلى أنه من المتوقع أن يُؤثر الذكاء الاصطناعي التوليدي على 300 مليون وظيفة بدوام كامل على مستوى العالم، وأن ما يقرب من ثلثي الوظائف في الولايات المتحدة مُعرّضة لخطر الأتمتة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
ويُعدّ هذا الخطر شديداً بشكل خاص بالنسبة للهند، إذ يُوظّف قطاع تكنولوجيا المعلومات وخدمات الأعمال في البلاد ملايين الأشخاص، ويُشكّل ركيزة أساسية لعائدات التصدير، ونمو الطبقة المتوسطة، والاستقرار السياسي. كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الآلية القادرة على إدارة سير العمل من البداية إلى النهاية لا تهدد الوظائف الفردية فحسب، بل تُهدد نموذج موازنة العمل نفسه، حيث تستحوذ الهند على 16% من القوى العاملة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي.
تحديات
الخبراء يحذرون من التحديات الكبرى
تجدر الإشارة إلى أن التحذيرات الأقوى المتعلقة بالذكاء الاصطناعي المتقدم تأتي من شخصيات ساهمت في تشكيله، فقد حذر الرئيس التنفيذي السابق لشركة “غوغل” إريك شميدت، من أن الذكاء الاصطناعي يمثل خطراً وجودياً على البشرية، وفي مقال نشرته مجلتي “فورين أفيرز” “تايم” أكد شميدت على ضرورة التعامل مع الذكاء الاصطناعي المتقدم كما لو كان تكنولوجيا نووية، مع تبرير وجود الرقابة على مستوى الدولة بسبب المخاطر الجسيمة الناجمة عن الحوادث ضئيلة الاحتمال ولكنها شديدة التأثير. كما يواصل إيلون ماسك تأطير مخاطر الذكاء الاصطناعي كمخاطر محتملة، مقدراً احتمالية حدوث نتائج كارثية بنسبة 10-20%، مؤكداً بأن هذه النسبة تبرر اتخاذ إجراءات تخفيفية صارمة.
يختلف هؤلاء القادة في اللهجة والجدول الزمني، لكن تصريحاتهم تُشير إلى أنهم يتفقون على نقطة جوهرية واحدة، وهي أن الخطر ليس في توقف تقدم الذكاء الاصطناعي، بل في وصول الحوكمة بعد فوات الأوان.
مخاوف
ويرى مراقبون، أن الخيار الذي يواجه صانعي السياسات أضيق وأكثر إلحاحاً: إما إدارة نظم التكنولوجيا القوية على وجه السرعة ، بينما لا يزال النفوذ قائماً، وإلا ستفلت زمام الأمور من أيديهم.
وتشير الأدلة المستقاة من اتجاهات القدرات، واضطرابات سوق العمل، وتحذيرات الخبراء، والوضع الجيوسياسي، إلى أن الوقت الأمثل للتوجيه الفعال يكون قبل تحقيق الذكاء الخارق بشكل كامل، وليس بعده.