سوريا بين الذاكرة والمستقبل: كيف نستعيد هويتنا الوطنية في زمن الانقسام؟

الخبير السوري ـ وديع فايز الشماس:

في بلدٍ أنهكته الحرب وتنازعت روحه الهويات الضيقة، لم يعد سؤال الهوية ترفًا فكريًا ولا نقاشًا ثقافيًا عابرًا، بل أصبح قضية وطنية تمسّ وجود سوريا نفسها. فبعد سنوات من الصراع، لم تتصدّع البنية السياسية والاقتصادية فحسب، بل تراجعت أيضًا الروابط التي كانت تجمع السوريين تحت مظلة وطن واحد.
اليوم، وفي لحظة مفصلية من تاريخ البلاد، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للسوريين أن يستعيدوا هويتهم الوطنية الجامعة، تلك التي تتجاوز الجغرافيا والطوائف والانتماءات الصغيرة؟

أولًا: فهم جذور الأزمة بلا إنكار ولا تبسيط
لم يولد التشرذم فجأة، ولم يكن وليد السنوات الأخيرة فقط. بل هو نتيجة تراكم طويل لاختلالات سياسية واجتماعية وتنموية أضعفت الثقة بين المواطن والدولة، ودفعت الناس إلى الاحتماء بانتماءاتهم الأصغر.
إن أي مقاربة وطنية جادة تبدأ بالاعتراف بهذه الأسباب، لا بتجاهلها، وبالتعامل مع التعدد السوري بوصفه حقيقة راسخة يجب إدارتها ضمن إطار وطني جامع، لا تركها تتحول إلى خطوط تماس.

ثانيًا: الهوية الوطنية… إطار يحتضن التنوع ولا يلغي أحدًا
الهوية السورية الجامعة ليست مشروعًا لصهر المجتمع في قالب واحد، ولا دعوة لإلغاء الخصوصيات الثقافية والدينية والإثنية.
إنها ببساطة المرجعية العليا التي تتكامل ضمنها كل الانتماءات الأخرى.
وعندما يُدار التنوع بعقلية الشراكة والاحترام، يتحول من عامل توتر إلى مصدر قوة، ومن سبب للانقسام إلى رافعة للاستقرار.

ثالثًا: المواطنة المتساوية… حجر الأساس لأي هوية جامعة
لا يمكن الحديث عن هوية وطنية فاعلة في ظل غياب المواطنة المتساوية.
فالمواطن لا ينتمي إلى وطنه بالشعارات، بل بالشعور بأن حقوقه مصانة، وأن القانون يحميه كما يحمي غيره، وأن الفرص متاحة للجميع دون تمييز.
المواطنة هنا ليست نصًا دستوريًا فقط، بل ممارسة يومية تعكس العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

رابعًا: الدولة… الضامن الأكبر للثقة والانتماء
تلعب الدولة دورًا محوريًا في إعادة بناء الهوية الوطنية، فهي الإطار الذي ينظّم العلاقة بين المواطن والوطن.
وكلما اتسم أداء المؤسسات بالعدالة والشفافية، وتعزز الالتزام بالقانون، ازداد شعور السوريين بأن الانتماء الوطني هو المظلّة الأوسع والأكثر أمانًا.
إن إدارة التنوع بحكمة، وتحقيق تنمية متوازنة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، هي شروط أساسية للحد من النزعات الانقسامية.

خامسًا: الإعلام والتعليم… معركة الوعي وبناء المستقبل
الإعلام السوري مطالب اليوم بخطاب مهني ومسؤول يعزز المشترك الوطني، ويبتعد عن التحريض والاستقطاب، ويسهم في ترميم الثقة بين مكونات المجتمع.
أما التعليم، فهو الاستثمار الأعمق والأطول أثرًا.
مناهج تُقدّم التاريخ السوري بوصفه تاريخًا مشتركًا، وتُعلّم قيم المواطنة والتنوع، هي خطوة لا غنى عنها في بناء وعي وطني جديد.

سادسًا: العدالة الانتقالية والمصالحة… طريق لا بد منه
لا يمكن بناء هوية وطنية على جراح مفتوحة.
العدالة الانتقالية ليست انتقامًا، بل إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا للاعتراف بالانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار ما حدث.
بهذا فقط يمكن تحويل الذاكرة المؤلمة من عبء يجرّ البلاد إلى الخلف، إلى أساس لبناء مستقبل مشترك.

خاتمة: هوية تُبنى بالإرادة لا بالشعارات
إن استعادة الهوية السورية الجامعة ليست مشروعًا آنيًا ولا شعارًا سياسيًا، بل مسار طويل يتطلب إرادة سياسية، ونضجًا اجتماعيًا، وجهدًا ثقافيًا متواصلًا.
وحين يدرك السوريون أن انتماءهم الوطني لا يلغي تنوعهم، بل يحميه، يمكن للهوية السورية أن تستعيد مكانتها الطبيعية، لا كردّ فعل على الانقسام، بل كأساس لبناء دولة تتسع للجميع وتليق بتضحياتهم.

[ جديد الخبير ]